الأولى - قوله تعالى : " ثمانية أزواج " " ثمانية " منصوب بفعل مضمر ، أي وأنشأ " ثمانية أزواج " ؛ عن الكسائي . وقال الأخفش سعيد : هو منصوب على البدل من " حمولة وفرشا " . وقال الأخفش علي بن سليمان : يكون منصوبا " بكلوا " ؛ أي كلوا لحم ثمانية أزواج . ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من " ما " على الموضع . ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح " ثمانية أزواج من الضأن اثنين " . ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا : " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحله لهم ؛ لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى . والزوج خلاف الفرد . يقال : زوج أو فرد . كما يقال : خساً أو زكاً ، شفع{[6815]} أو وتر . فقول : " ثمانية أزواج " يعني ثمانية أفراد . وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا ، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج . ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين ؛ يقال هما زوجان ، وهما زوج ، كما يقال : هما سيان وهما سواء . وتقول : اشتريت زوجي حمام . وأنت تعني ذكرا وأنثى .
الثانية - قوله تعالى : " من الضأن اثنين " أي الذكر والأنثى . والضأن : ذوات الصوف من الغنم ، وهي جمع ضائن . والأنثى ضائنة ، والجمع ضوائن . وقيل : هو جمع لا واحد له . وقيل في جمعه : ضئين ؛ كعبد وعبيد . ويقال فيه ضئين . كما يقال في شَعير : شِعير ، كسرت الضاد اتباعا . وقرأ طلحة بن مصرف " من الضأن اثنين " بفتح الهمزة ، وهي لغة مسموعة عند البصريين . وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق . وكذلك الفتح والإسكان في المعز . وقرأ أبان بن عثمان " من الضأن اثنان ومن المعز اثنان " رفعا بالابتداء . وفي حرف أبي . " ومن المعز اثنان{[6816]} " وهي قراءة الأكثر . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح . قال النحاس : الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان . ويدل على هذا قولهم في الجمع : معيز ، فهذا جمع معز . كما يقال : عبد وعبيد . قال امرؤ القيس :
ويمنحُها بنو شَمَجَى بن جَرْم *** معيزَهم حنَانَك ذا الحَنَانِ
ومثله ضأن وضئين . والمعز من الغنم خلاف الضأن ، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار ، وهو اسم جنس ، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز والمعزى . وواحد المعز ماعز ، مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر . والأنثى ماعزة وهي العنز ، والجمع مواعز . وأمعز القوم كثرت معزاهم . والمعاز صاحب المعزى . قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان :
يكِلْنَ كَيْلاً ليس بالممحوق *** إذْ رَضِي المعَّازُ باللعُوقِ
والمعز الصلابة من الأرض . والأمعز : المكان الصلب الكثير الحصى ، والمعزاء أيضا . واستمعز الرجل في أمره : جد . " قل آلذكرين حرم " منصوب " بحرم " . " أم الأنثيين " عطف عليه . وكذا " أما اشتملت " . وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام والخبر . ويجوز حذف الهمزة لأن " أم " تدل على الاستفهام . كما قال :
الثالثة - قال العلماء : الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها . وقولهم : " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " . فدلت على إثبات المناظرة في العلم ؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم ، ويبين لهم فساد قولهم . وفيها إثبات القول بالنظر والقياس . وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به . ويروى : " إذا ورد عليه النقض " ؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة ، وأمرهم بطرد علتهم . والمعنى : قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام . وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام . وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني من الضأن والمعز ، فكل مولود حرام ، ذكرا كان أو أنثى . وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها ، فبين{[6817]} انتقاض علتهم وفساد قولهم . فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه " نبئوني بعلم " أي بعلم إن كان عندكم ، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه ؟ ولا علم عندهم ؛ لأنهم لا يقرؤون الكتب .
ولما رد دين المشركين وأثبت دينه ، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه ، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه ، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيه {[31424]} أن فعلهم رث{[31425]} القوى هلهل النسيج{[31426]} بعيد من قانون الحكمة ، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم ، فقال بياناً ل { حمولة وفرشاً } { ثمانية أزواج } أي أصناف ، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر ، أنشأها بزواج{[31427]} كل من الذكر والأنثى الآخر ، و{[31428]} لحق بتسميتهم{[31429]} الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر .
ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه ، قال مبيناً أن هذا هو المراد{[31430]} لا الاثنان{[31431]} مفصلاً لهذه الثمانية : { من الضأن } جمع ضائن وضائنة كصاحب وصحب { اثنين } أي ذكراً وأنثى كبشاً ونعجة { ومن المعز } جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ، وتاجر وتجر في قراءة غيرهم{[31432]} { اثنين } أي زوجين ذكراً وأنثى تيساً وعنزاً .
ولما كان كأنه قيل : ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم ، قال{[31433]} : { قل } أي لهم مستفهماً ؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار ، أتى فيه ب " ام " التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى " أيّ " ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه ، فقال معترضاً بين المعدودات تأكيداً للتوبيخ ، لأن الاعتراضات لا تساق إلاّ للتأكيد : { ءآلذكرين } .
ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله ، قال{[31434]} : { حرم } أي{[31435]} الله ، فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور{[31436]} { أم الأنثيين } ليلزمكم{[31437]} تحريم جميع{[31438]} الإناث ، واستوعب{[31439]} جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله : { أما } أي أم حرم ما { اشتملت } أي انضمت { عليه } وحملته { أرحام الأنثيين } أي من الذكور والإناث ، ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا{[31440]} شيئاً مما أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام .
ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم{[31441]} جديرون بالتوبيخ ، زاد في توبيخهم فقال : { نبئوني } أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخباراً جليلاً عظيماً ؛ ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه{[31442]} شك ، قال : { بعلم } أي أمر معلوم من جهة الله لا مطعن فيه { إن كنتم صادقين } أي إن كان لكم{[31443]} هذا الوصف .
قوله تعالى : { ثمينة أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين ( 143 ) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظلمين } ثمانية منصوب على البدل من الحمولة والفرش . وقيل : منصوب بفعل تقديره : أنشأ . أي أنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف أو أفراد . والزوج ضد الفرد . وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا .
ويقال للاثنين : هما زوجان وهما زوج ، وكما يقال : هما سيان وهما سواء ونقول : عندي زوجا حمام يعني ذكرا وأنثى وعندي زوجا نعل . وثمانية أزواج يعني ثمانية أفراد . وسمي الفرد زوجا في هذه الآية ، لأن كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة للآخر . والواحد إن كان منفردا سواء كان ذكرا أو أنثى سمي فردا . وإن كان الذكر مع الأنثى من جنسه قيل لهما : زوج . ويقال لكل واحد منهما على انفراده زوج{[1298]} .
وقوله : { من الضأن اثنين } الضأن جمع ضائن . كركب وراكب ، وصحب وصاحب . والأنثى ضائنة والجمع ضوائن{[1299]} والضأن هي ذوات الصوف من الغنم ، وهي خلاف المعز من الغنم . واثنين منصوب على البدل من ثمانية .
قوله : { ومن المعز اثنين } المعز من الغنم ضأن . وهو اسم جنس . وواحد المعز ماعز . مثل صاحب وصحب . والأنثى ماعزة وهي العنز ، والجمع مواعز{[1300]} .
قوله : { قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } الاستفهام للإنكار والتوبيخ ، لنسبتهم ما حرموه إلى الله افتراء عليه فكانوا مرة يحرمون الذكور ، ومرة يحرمون الإناث ، وغير ذلك من صور التحريم الباطل .
والمراد بالذكرين : ذكر الضأن والمعز . والمراد بالأنثيين : أنثى الضأن والمعز . أي قل لهم : أجاءكم التحريم فيما حرمتم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من الذكرين أم من الأنثيين ؟ فلو قالوا : من قبل الذكر ، لاقتضى ذلك تحريم كل ذكر عليهم . ولو قالوا : من قبل الأنثى لاقتضى ذلك تحريم كل أنثى عليهم . وإن قالوا بتحريم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فذلك يستلزم أن كل مولود حرام سواء كان ذكرا أو أنثى وكلها مولود .
قوله : { نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } أي بينوا لي ما حرمتموه بعلم يظهر صدق ما تقولون . وذلك على سبيل التبكيت لهم والتوبيخ . والله يعلم أنهم كاذبون فيما زعموه من تحريم وأنهم ليس لهم في ذلك برهان .