الأولى - قوله تعالى : " وهو الذي أنزل من السماء ماء " أي المطر . " فأخرجنا به نبات كل شيء " أي كل صنف من النبات . وقيل : رزق كل حيوان . " فأخرجنا منه خضرا " قال الأخفش : أي أخضر ، كما تقول العرب : أرنيها نمرة أركها{[6588]} مطرة . والخضر{[6589]} رطب البقول . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت{[6590]} والذرة والأرز وسائر الحبوب . " نخرج منه حبا متراكبا " أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة .
الثانية - قوله تعالى : " ومن النخل من طلعها قنوان دانية " ابتداء وخبر . وأجاز الفراء في غير القرآن " قنوانا دانية " على العطف على ما قبله . قال سيبويه : ومن العرب من يقول : قنوان . قال الفراء : هذه لغة قيس ، وأهل الحجاز يقولون : قنوان ، وتميم يقولون : قنيان ، ثم يجتمعون في الواحد فيقولون : قنو وقنو . والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض . والإغريض يسمى طلعا أيضا . والطلع : ما يرى من عذق النخلة . والقنوان : جمع قنو ، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان ( بكسر النون ) . وجاء الجمع على لفظ الاثنين . قال الجوهري وغيره : الاثنان صنوان والجمع صنوان ( برفع النون ) . والقنو : العذق والجمع القنوان والأقناء . قال :
طويلة الأقْنَاء والأثَاكِل{[6591]}
غيره : " أقناء " جمع القلة . قال المهدوي : قرأ ابن هرمز " قنوان " بفتح القاف ، وروي عنه ضمها . فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مكسر ، بمنزلة ركب عند سيبويه ، وبمنزلة الباقر والجامل ؛ لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع ، وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق ( بكسر العين ) وهي الكباسة ، وهي عنقود النخلة . والعذق ( بفتح العين ) النخلة نفسها . وقيل : القنوان الجمار . " دانية " قريبة ، ينالها القائم والقاعد . عن ابن عباس والبراء بن عازب وغيرهما . وقال الزجاج : منها دانية ومنها بعيدة ، فحذف . ومثله " سرابيل تقيكم الحر{[6592]} " [ النحل : 81 ] . وخص الدانية بالذكر ، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة ، والامتنان فيما يقرب متناوله أكثر .
الثالثة - قوله تعالى : " وجنات من أعناب " أي وأخرجنا جنات . وقرأ محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى والأعمش ، وهو الصحيح من قراءة عاصم " وجنات " بالرفع . وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، حتى قال أبو حاتم : هي محال ؛ لأن الجنات لا تكون من النخل . قال النحاس : والقراءة جائزة ، وليس التأويل على هذا ، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف ، أي ولهم جنات . كما قرأ جماعة من القراء " وحور عين{[6593]} " [ الواقعة : 22 ] . وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء ، ومثله كثير . وعلى هذا أيضا " وحورا عينا " حكاه سيبويه ، وأنشد :
جئني بمثل بني بدر لقومهم *** أو مثل أُسْرَةِ منظورِ بنِ سيار{[6594]}
وقيل : التقدير " وجنات من أعناب " أخرجناها ، كقولك : أكرمت عبدالله وأخوه ، أي وأخوه أكرمت أيضا . فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك . وقيل : " وجنات " بالرفع عطف على " قنوان " لفظا ، وإن لم تكن في المعنى من جنسها . " والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه " أي متشابها في الأوراق ، أي ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في اشتمال على جميع الغصن وفي حجم الورق ، وغير متشابه في الذواق ، عن قتادة وغيره . قال ابن جريج : " متشابها " في النظر " وغير متشابه " في الطعم ، مثل الرمانتين لونهما واحد وطعامهما مختلف . وخص الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم . وهو كقوله : " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " {[6595]} [ الغاشية : 17 ] . ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه .
الرابعة - قوله تعالى : " انظروا إلى ثمره إذا أثمر " أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكر . والثمر في اللغة جنى الشجر . وقرأ حمزة والكسائي " ثمره " بضم الثاء والميم . والباقون بالفتح فيهما جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر . قال مجاهد : الثمر أصناف المال ، والتمر ثمر النخل . وكأن المعنى على قول مجاهد : انظروا إلى الأموال التي يتحصل منه الثمر ، فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر . وروي عن الأعمش{[6596]} " ثمره " بضم الثاء وسكون الميم ، حذفت الضمة لثقلها طلبا للخفة . ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن . ويجوز أن يكون ثمر جمع جمع ، فتقول : ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر . ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع الجمع .
الخامسة - قوله تعالى : " وينعه " قرأ محمد بن السميقع " ويانعه " {[6597]} . وابن محيصن وابن أبي إسحاق " وينعه " بضم الياء . قال الفراء : هي لغة بعض أهل نجد ، يقال : ينع الثمر يينع ، والثمر يانع . وأينع يونع والتمر مونع{[6598]} . والمعنى : ونضجه . ينع وأينع إذا نضج وأدرك . قال الحجاج في خطبته : أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها . قال ابن الأنباري : الينع جمع يانع ، كراكب وركب ، وتاجر وتجر ، وهو المدرك البالغ . وقال الفراء : أينع أكثر من ينع ، ومعناه أحمر ، ومنه ما روي في حديث الملاعنة ( إن ولدته أحمر مثل الينعة ) وهي خرزة حمراء ، يقال : إنه العقيق أو نوع منه . فدلت الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه ، نظر من تفكر ، أن المتغيرات لا بد لها من مغير ، وذلك أنه تعالى قال : " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " . فتراه أولا طلعا ثم إغريضا إذا انشق عنه الطلع . والإغريض يسمى ضَحْكا أيضا ، ثم بلحا ، ثم سيابا ، ثم جدالا إذ اخضر واستدار قبل أن يشتد ، ثم بسرا إذا عظم ، ثم زهوا إذا أحمر ، يقال : أزهى يزهي ، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من الإرطاب . فإن كان ذلك من قبل الذنب فهي مذنبة ، وهو التذنوب ، فإذا لانت فهي ثعدة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة ، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة ، فإذا عمها الإرطاب فهي منسبتة ، يقال : رطب منسبت ، ثم ييبس فيصير تمرا . فنبه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد أن لم تكن بعد على وحدانيته وكمال قدرته ، وأن لها صانعا قادرا عالما . ودل على جواز البعث ؛ لإيجاد النبات بعد الجفاف . قال الجوهري : ينع الثمر يينع ويينع ينعا وينوعا ، أي نضج .
السادسة - قال ابن العربي قال مالك : الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش . قال : مالك : والنقش أن ينقش أهل البصرة الثمر حتى يرطب ، يريد يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا . فليس ذلك الينع المراد في القرآن ، ولا هو الذي ربط به رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع{[6599]} ، وإنما هو{[6600]} ما يكون من ذاته بغير محاولة . وفي بعض بلاد التين ، وهي البلاد الباردة ، لا ينضج حتى يدخل في فمه عود قد دهن زيتا ، فإذا طاب حل بيعه ؛ لأن ذلك ضرورة الهواء وعادة البلاد ، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب .
قلت : وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة ، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة . ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد ) . والثريا النجم ، لا خلاف في ذلك . وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار ، وهو شهر مايو . وفي البخاري : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر .
السابعة - وقد استدل من أسقط{[6601]} الجوائح في الثمار بهذه الآثار ، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة . قال عثمان بن سراقة : فسألت ابن عمر متى هذا ؟ فقال : طلوع الثريا . قال الشافعي : لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ، ولو ثبت عندي لم أعده ، والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه ، قال : ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لو ضعتها في القليل والكثير . وهو قول الثوري والكوفيين . وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها ؛ لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح . أخرجه مسلم . وبه كان يقضي عمر بن عبدالعزيز ، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث . وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث ، إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدا ، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا ، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد . وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة ، فإذا كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه . والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم . وعليه فلا تكون السرقة جائحة ، وكذا في كتاب محمد . وفي الكتاب أنه جائحة ، وروي عن ابن القاسم ، وخالفه أصحابه والناس . وقال مطرف وابن الماجشون : ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد ، أو عطش أو حر أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدمي فهو جائحة . واختلف في العطش{[6602]} ؛ ففي رواية ابن القاسم هو جائحة . والصحيح في البقول أنها فيها جائحة{[6603]} كالثمرة . ومن باع ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد ؛ للنهي عنه ؛ ولأنه من أكل المال بالباطل ؛ لقوله عليه السلام : ( أرأيت إن منع الله الثمرة فبم أخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ) ؟ هذا قول الجمهور ، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة . وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع . ومنعه الثوري وابن أبي ليلى تمسكا بالنهي الوارد في ذلك . وخصصه الجمهور بالقياس الجلي ؛ لأنه مبيع معلوم يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه كسائر المبيعات .
ولما ذكر وجوه الإبداع التفريعي{[30604]} من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ينشأ عنه{[30605]} الفصول{[30606]} وغيرها ، أتبعه سببه القريب ، وهو الماء الذي جعل منه كل شيء حي ، فقال مفصلاً ما أجمله في الحب والنوى ، سائقاً له مساق الإحسان لما{[30607]} قبله من الدلائل ، فإن الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكراً بالإنعام كان تأثيره في القلب عظيماً ، فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن يسلك هذا المسلك ليكون للقلوب أملك{[30608]} : { وهو } أي لا غيره { الذي أنزل } أي بقدرته وعلمه وحكمته { من السماء } أي الحقيقية التي تعرفونها كما دل عليه صريح{[30609]} العبارة وما أشبهها من ذكور الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة { ماء } أي منهمراً ودافقاً .
ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه ، نبه عليه بالانتقال إلى التكلم في{[30610]} مظهر العظمة فقال : { فأخرجنا } أي على ما لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد { به } أي الماء { نبات كل شيء } مختلفة{[30611]} طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد ، فالسبب واحد والمسببات كثيرة منفتة{[30612]} ، سواء كان ذلك النبات حقيقياً من النجم والشجر ، أو مجازياً من الأنثى والذكر ؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالاً على العظمة : { فأخرجنا منه } أي النبات { خضراً } أي شيئاً أخضر غضاً طرياً ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله : { نخرج } أي حال كوننا مقدرين أن نخرج { منه } أي من ذلك الخضر { حباً متراكباً } أي في السنبل يركب بعضه بعضاً ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جداً كالإبر خشن{[30613]} ، بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها ، أو منفتة في التراب بعد أن طوّره سبحانه في عدة أطوار ، إن فاعل ذلك لقادر مختار .
ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصاً وعموماً ، فعلم أن الكل منه ، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون ، وبالعجز عن إبداعه عالمون ، وبدأ بما بدأ به أولاً في آية الفلق من الحب ؛ ثنى بما من النوى ، فقال معبراً لذلك الأسلوب : { ومن النخل } وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل يدل على أن الزرع أفضل منه ، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات والغذاء مقدم على الفاكهة{[30614]} ؛{[30615]} فإنها خلقت من طينة آدم{[30616]} ؛ ثم أبدل مما أجمل من ذلك قوله مبيناً : { من طلعها } أي النخل ، وهو أول ما يخرج منها في{[30617]} أكمامه { قنوان } جمع قنو ، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة ، والعرجون عوده الذي يكون فيه البسر { دانية } أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم وسهل لكم من صنعة{[30618]} الوصول إليها .
ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل ، عطف على " نبات " منبهاً لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما تقدم - فقال : { وجنات } أي بساتين { من أعناب } وجمعها لكثرة أنواعها{[30619]} ، وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما{[30620]} كما تقدم على غيرهما ، لأن ثمرهما فاكهة وقوت ، وقدم الأول لأنهم له أكثر ملابسة{[30621]} ، {[30622]} وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه ، فإنه ينتفع به من أول ظهوره لأنه{[30623]} أولاً يكون له خيوط خضر{[30624]} دقيقة حامضة لذيذة ، ثم تكون الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ{[30625]} منه رُبّ الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة ، وهو عنباً ألذ الفواكه وأشهاها ، ويدخر عنباً قريباً من سنة ، ويكون زبيبه غذاء ، ويكون منه الدِبس والخل وغير ذلك ، وأحسن ما فيه عجمه ، وهو يتخذ منه جوارشات عظيمة النفع للمعدة{[30626]} الضعيفة الرطبة وقدم النخيل لأنها قوت للعرب ، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في النبات ، ولذا جاء في الحديث " أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام ، وليس من الشجر يلقح غيرها " - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه{[30627]} ؛ وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال : { والزيتون } و{[30628]} قدمه لكثرة نفعه ، وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال { والرمان }{[30629]} ختم به لحسنه وعظيم نفعه ، وهو مركب من أربعة أشياء : قشره وشحمه وعجمه ومائه ، فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جداً ، والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطبع المعتدل ، وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء{[30630]} من وجه .
ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها ، وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه ، وكان اشتباه بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى{[30631]} بماء واحد وفي أرض واحدة - دالاً على القدرة والاختيار ، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات كمال القدرة التي هي منفية عن غيره ، فلا يصح أن يكون له شريك ، لأنه لا يكون إلا مشابهاً لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه ، وللبعث فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد الوجود ، ولمحاجة{[30632]} أهل الكتاب{[30633]} الموسومين بالعلم{[30634]} المنسوبين إلى حدة الأذهان وغيرهم من الفرق ، وكان افتعل يأتي للتعريف{[30635]} ، وهو المبالغة في إثبات أصل الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال ، فكان{[30636]} حصوله إذا حصل أكمل{[30637]} ، قال{[30638]} بانياً حالاً{[30639]} من كل ما تقدم : { مشتبهاً } أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا يكاد يتميز ، فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه{[30640]} من ثمرة هذه{[30641]} ، فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل ، فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل الفعل ، فعلم أن التقدير : وغير مشتبه ومتشابهاً ، ثم لما كان ربما تمسك القائل بالطبائع بهذه العبارة ، نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملاً في اشتباه بعضها ببعض فقال : { وغير متشابه } أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا بد من شبه ما{[30642]} ، فالآية من الاحتباك : أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده ، وهو{[30643]} عدم التشابه{[30644]} ، و{[30645]} لأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه ، علق الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس ، ودلالة على أن المراد إنما هو ظاهر ذلك ، لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال : { انظروا إلى ثمره } وهذا بخلاف الحرف الثاني ، فإنه في{[30646]} سياق الرد على العرب فيما يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلاً ، ولذلك ختم الآية{[30647]} بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه{[30648]} منه على أنفسهم ، وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه ، وأما الباطن الذي هو الأكل فسيأتي ؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله : { إذا أثمر } أي حين يبدو من كمامه ضعيفاً قليل النفع أو{[30649]} عديمه { وينعه } أي وانظروا إلى إدراكه إذ أدرك وحان قطافه ، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك ، لأنه يلزم من مراقبة الأول والآخر ، فيعلم{[30650]} استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله وغير ذلك من شؤونه وأحواله ، ويلزم من ذلك أيضاً النظر{[30651]} إلى أشجاره ليعلم تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك من سائر الأحوال ، كما أن ذلك موجود في التمر ، فاستناد هذه التبدلات والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار ، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على حد{[30652]} سواء ، فلو استندت إليها لم تتغير .
ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولاً والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ثانياً دالاً على كمال القدرة المستلزم للوحدانية ، دل على عظمته بقوله{[30653]} مستأنفاً مشيراً{[30654]} بأداة البعد وميم الجمع : { إن في ذلكم } أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة { لآيات } أي علامات على قدرة الصانع واختياره .
ولما كانت الآيات لا تغني{[30655]} عمن أريدت شقاوته قال : { لقوم يؤمنون * } أي حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم{[30656]} على ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى{[30657]} الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه .
قوله : { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } . أنزل الله من السماء المطر فأخرج به كل صنف من أصناف النبات المختلفة . والنبات هو كل ما يخرج من الأرض من الناميات مما له ساق كالشجر ، أو ليس له ساق وهو المسمى بالنجم .
قوله { فأخرجنا منه خضرا } ذلك تفصيل لما أجمل في الكلام السابق . والخضر معناه الأخضر . أي أننا أخرجنا من النبات الذي ليس له ساق شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة . والمراد رطب البقول . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب .
قوله : { نخرج منه حبا متراكبا } أي بعضه فوق بعض كما في سنبل الحنطة والشعير وغير ذلك من السنابل التي حبها يركب بعضه بعضا .
قوله : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } شرع في تفصيل حال الشجر عقيب بيان حال النجم وطلع النخلة هو أول ما يرى من عذقها . والواحدة طلعة . والعذق بكسر العين معناه عنقود النخلة{[1231]} .
والقنوان جمع قنو كالصنو جمعه صنوان . والقنو بمعنى العذق يقال للواحد قنو وقنا . ويثنى قنوان ، ويجمع قنوان{[1232]} .
والمراد بالقنوان الدانية ، أي العراجين التي تدلت من الطلع لتكون قريبة ممن يجتنيها .
قوله : { وجنات من أعناب } قرأ عامة القراء جنات على النصب على أنه معطوف على { نبات كل شيء } أي وأخرجنا به جنات . أي أخرجنا بساتين من أعناب .
قوله : { والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه } معطوف على جنات أي أخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه . أي مشتبها ورقه مختلفا ثمره . وقيل : هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة . وقيل : قد تكون مختلفة في اللون والشكل مع أنها متشابهة في الطعم واللذة .
قوله : { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } أي انظر نظر تدبر واعتبار لا نظر إبصار مجرد عن التدبر والتفكر . والينع معناه النضج . ينع الثمر وأينع أي نضج . والينيع واليانع أي النضيج والناضج{[1233]} .
والمقصود النظر بتدبر وادكار في الشجر إذا أثمر حتى ينع . فإنه يمر بمراحل شتى من كيفية النماء والإثمار . فهو يخرج أولا ضئيلا لا ينتفع به ثم يأخذ في النماء شيئا فشيئا ليكون مخضرا يابسا ثم يكون زاهيا في حلاوة من باكورة النضج ثم يكون يانعا مستطابا محفلا باللذة وعذوبة المذاق . وذلك هو صنع الله الذي أنشأ ذلك من حبة ميتة أو عود يابس .
قوله : { إن في ذلكم لأيات لقوم يؤمنون } إن في كل ما سبق ذكره من بديع خلق الله وعظيم صنعه في الطبيعة والكائنات والثمرات أجلى الدلالات وأكملها على وجود القادر الحكيم وعلى وحدانيته سبحانه كيما يدرك ذلك المؤمنون ويستيقنوه . وذلك بما أوتوه من فطرة سليمة من التلويث والتدنيس{[1234]} .