قوله تعالى : " فإن تولوا فقل حسبي الله " أي إن اعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي الله تعالى . " عليه توكلت " أي اعتمدت وإليه فوضت جميع أموري . " وهو رب العرش العظيم " خص العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ما ذكره . وقراءة العامة بخفض " العظيم " نعتا للعرش . وقرئ بالرفع صفة للرب ، رويت عن ابن كثير ، وهي قراءة ابن محيصن ، وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال : ( من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا ) . وفي نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وخمس للآخرة : حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المسألة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب ) . وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال : أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة ، وقد بيناه . وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس : أن آخر ما نزل من القرآن " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وهذه الآية . ذكره الماوردي . وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه ، على ما ذكرناه في " البقرة " وهو أصح . وقال مقاتل : تقدم نزولها بمكة . وهذا فيه بعد لأن السورة مدنية والله أعلم . وقال يحيى بن جعدة : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " فقال عمر : والله لا أسألك عليهما بينة كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم فأثبتهما . قال علماؤنا : الرجل هو خزيمة بن ثابت وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه{[8408]} " [ الأحزاب : 23 ] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب . والحمد لله .
ثم أقبل عليه{[37497]} مسلياً له مقابلاً لإعراضهم إن أعرضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتاً إلى أول السورة الآمر{[37498]} بالبراءة من كل مخالف ، قائلاً مسبباً عن النصيحة بهذه الآية التي لا يشك عاقل في مضمونها : { فإن تولوا } أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية { فقل } أي استعانة بالله تفويضاً إليه { حسبي } أي كافي ؛ قال الرماني : وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي تغني عن غيره ، ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة { الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له ، وإنما كان كافياً لأنه { لا إله إلا هو } فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه .
ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له ، وجب قصر الرغائب عليه فقال : { عليه } أي وحده { توكلت } لأن أمره نافذ في كل شيء { وهو رب } أي مالك ومخترع ومدبر ؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار ، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال{[37499]} : { العرش العظيم* } أي{[37500]} المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الإطلاق{[37501]} فلا شيء إلا وهو في قبضته وداخل في دائرة{[37502]} مملكته ، وإذا{[37503]} كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائناً من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في { فسيحوا } وفي { فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } والله تعالى أعلم{[37504]} .
قوله : { فإن تولوا فقل حسبي الله } فإن أعرضوا عن الإيمان بعد الذي جاءهم من الحق والهدى وأبوا إلا الكفر والضلال فقل لهم : { حسبي الله لا إلاه إلا هو } أي أن الله كافي ؛ فهو سبحانه يكفيني من كل شيء . يكفيني معرة المشركين الظالمين ويمنعني من أذاهم مكرهم ، ويدرأ عني شرهم وكيدهم ؛ ذلكم الله وحده ، الإله القدر الحفيظ { عليه توكلت } أي فوضت أمري إلى الله وحده دون أحد سواه ؛ فهو الإله الحكيم الأعظم ، القادر المستعان { رب العرش العظيم } أعظم المخلوقات كافة . ومن أجل ذلك خصه بالذكر . وفي ذلك ما يشير إلى عظيم قدرة الله ، وبالغ شأنه ، ومطلق سلطانه وجبروته ؛ فهو سبحانه خير الحافظين ، وخير من يستجير به المظلومون والمستضعفون من أهل الحق{[1933]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.