قوله تعالى : " قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق " يقال : هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد ؛ وقد تقدم{[8486]} . أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ، فإذا قالوا لا ولا بد منه ف " قل " لهم " الله يهدي للحق " ثم قل لهم موبخا ومقررا . " أفمن يهدي " أي يرشد . " إلى الحق " وهو الله سبحانه وتعالى . " أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا ، ولا تمشي إلا أن تحمل ، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل . قال الشاعر{[8487]} :
للفتى عقل يعيش به*** حيث تهدي ساقه قدمه
وقيل : المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا . وفي " يهدي " قراءات ست :
الأولى : قرأ أهل المدينة إلا ورشا " يَهْدِّي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال ، فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله : " لا تعْدُّوا{[8488]} " وفي قوله : " يخْصِّمون " . قال النحاس : والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به . قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر ، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة . الثانية : قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان ، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس . الثالثة : قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن " يَهَدِّي " بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، قال النحاس : هذه القراءة بينة في العربية ، والأصل فيها يهتدى أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء . الرابعة : قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير ، إلا أنهم كسروا الهاء ، قالوا : لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر . قال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر . الخامسة : قرأ أبو بكر عن عاصم يِهِدِّي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال ، كل ذلك لاتباع الكسر كما تقدم في البقرة في " يخطف{[8489]} " [ البقرة : 20 ] وقيل : هي لغة من قرأ " نستعين{[8490]} " ، و " لن تمسنا النار " ونحوه . وسيبويه لا يجيز " يهدي " ويجيز " تهدي " و " نهدي " و " اهدي " قال : لأن الكسرة في الياء تثقل . السادسة : قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش " يَهْدِي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال ، من هدى يهدي . قال النحاس : وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة ، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا : " يهدي " بمعنى يهتدي . قال أبو العباس : لا يعرف هذا ، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره ، تم الكلام ، ثم قال : " إلا أن يهدى " استأنف من الأول ، أي لكنه يحتاج أن يهدى ، فهو استثناء منقطع ، كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع ، أي لكنه يحتاج أن يسمع . وقال أبو إسحاق : " فما لكم " كلام تام ، والمعنى : فأي شيء لكم في عبادة الأوثان . ثم قيل لهم : " كيف تحكمون " أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح ، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها ، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته ؛ فموضع " كيف " نصب ب " تحكمون " .
فلما فرغ {[37944]}مما يتعلق بأحوال{[37945]} الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك ، والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعاناً في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال : { قل } أي{[37946]} يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود { هل من شركائكم } أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله ، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظاً من أموالكم وأولادكم { من يهدي } أي بالبيان أو{[37947]} التوفيق ولو بعد حين { إلى الحق } فضلاً عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاماً{[37948]} .
ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين ، أمره أن يجيبهم معرضاً عن انتظار جوابهم آتياً بجزئي{[37949]} الاستفهام أيضاً فقال : { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يهدي } ولما كان قادراً على غاية الإسراع ، عبر باللام فقال : { للحق } إن أراد ، ويهدي إلى الحق من يشاء{[37950]} ، لا أحد ممن زعموهم شركاء ، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال{[37951]} في المزاج كبير ، فالآية من الاحتباك : ذكر { إلى الحق } أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ، و { للحق } ثانياً دليلاً على حذفه أولاً ، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال : { أفمن يهدي } أي منتهياً في هداه ولو على بعد { إلى الحق } أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه{[37952]} { أحق أن يتبع } أي بغاية الجهد { أم من لا يهدي } أي يهتدي فضلاً عن أن يهدي غيره إلى{[37953]} شيء من الأشياء أصلاً ورأساً ؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها ، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها انتهاء التسبب إلى أدناه { إلا أن يهدى } أي يهديه هاد غيره كائناً من كان ، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل ؛ فلما أتم ذلك على هذا النهج{[37954]} القويم كان كأنه قيل : أتجيبون أم تسكتون ؟ وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون ، تسبب{[37955]} عن ذلك سؤالهم على وجه التوبيخ بقوله : { فما } أي أيّ شيء ثبت { لكم } في فعل غير الحق من كلام أو سكوت ؛ ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال : { كيف تحكمون* } فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل ، أ{[37956]}بالباطل أم بالحق ؟ فقد تبين الرشد من الغي ؛ والبدء :العقل الأول ؛ والإعادة : إيجاد الشيء ثانياً ؛ والهداية : التعريف بطريق الرشد من الغي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.