الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ} (35)

قوله تعالى : " قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق " يقال : هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد ؛ وقد تقدم{[8486]} . أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ، فإذا قالوا لا ولا بد منه ف " قل " لهم " الله يهدي للحق " ثم قل لهم موبخا ومقررا . " أفمن يهدي " أي يرشد . " إلى الحق " وهو الله سبحانه وتعالى . " أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا ، ولا تمشي إلا أن تحمل ، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل . قال الشاعر{[8487]} :

للفتى عقل يعيش به*** حيث تهدي ساقه قدمه

وقيل : المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا . وفي " يهدي " قراءات ست :

الأولى : قرأ أهل المدينة إلا ورشا " يَهْدِّي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال ، فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله : " لا تعْدُّوا{[8488]} " وفي قوله : " يخْصِّمون " . قال النحاس : والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به . قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر ، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة . الثانية : قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان ، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس . الثالثة : قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن " يَهَدِّي " بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، قال النحاس : هذه القراءة بينة في العربية ، والأصل فيها يهتدى أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء . الرابعة : قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير ، إلا أنهم كسروا الهاء ، قالوا : لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر . قال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر . الخامسة : قرأ أبو بكر عن عاصم يِهِدِّي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال ، كل ذلك لاتباع الكسر كما تقدم في البقرة في " يخطف{[8489]} " [ البقرة : 20 ] وقيل : هي لغة من قرأ " نستعين{[8490]} " ، و " لن تمسنا النار " ونحوه . وسيبويه لا يجيز " يهدي " ويجيز " تهدي " و " نهدي " و " اهدي " قال : لأن الكسرة في الياء تثقل . السادسة : قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش " يَهْدِي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال ، من هدى يهدي . قال النحاس : وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة ، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا : " يهدي " بمعنى يهتدي . قال أبو العباس : لا يعرف هذا ، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره ، تم الكلام ، ثم قال : " إلا أن يهدى " استأنف من الأول ، أي لكنه يحتاج أن يهدى ، فهو استثناء منقطع ، كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع ، أي لكنه يحتاج أن يسمع . وقال أبو إسحاق : " فما لكم " كلام تام ، والمعنى : فأي شيء لكم في عبادة الأوثان . ثم قيل لهم : " كيف تحكمون " أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح ، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها ، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته ؛ فموضع " كيف " نصب ب " تحكمون " .


[8486]:راجع ج 1 ص 160.
[8487]:هو طرفة؛ كما في اللسان.
[8488]:راجع ج 6 ص 7.
[8489]:راجع ج 1 ص 221.
[8490]:راجع ج 1 ص 146.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ} (35)

فلما فرغ {[37944]}مما يتعلق بأحوال{[37945]} الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك ، والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعاناً في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال : { قل } أي{[37946]} يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود { هل من شركائكم } أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله ، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظاً من أموالكم وأولادكم { من يهدي } أي بالبيان أو{[37947]} التوفيق ولو بعد حين { إلى الحق } فضلاً عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاماً{[37948]} .

ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين ، أمره أن يجيبهم معرضاً عن انتظار جوابهم آتياً بجزئي{[37949]} الاستفهام أيضاً فقال : { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يهدي } ولما كان قادراً على غاية الإسراع ، عبر باللام فقال : { للحق } إن أراد ، ويهدي إلى الحق من يشاء{[37950]} ، لا أحد ممن زعموهم شركاء ، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال{[37951]} في المزاج كبير ، فالآية من الاحتباك : ذكر { إلى الحق } أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ، و { للحق } ثانياً دليلاً على حذفه أولاً ، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال : { أفمن يهدي } أي منتهياً في هداه ولو على بعد { إلى الحق } أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه{[37952]} { أحق أن يتبع } أي بغاية الجهد { أم من لا يهدي } أي يهتدي فضلاً عن أن يهدي غيره إلى{[37953]} شيء من الأشياء أصلاً ورأساً ؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها ، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها انتهاء التسبب إلى أدناه { إلا أن يهدى } أي يهديه هاد غيره كائناً من كان ، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل ؛ فلما أتم ذلك على هذا النهج{[37954]} القويم كان كأنه قيل : أتجيبون أم تسكتون ؟ وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون ، تسبب{[37955]} عن ذلك سؤالهم على وجه التوبيخ بقوله : { فما } أي أيّ شيء ثبت { لكم } في فعل غير الحق من كلام أو سكوت ؛ ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال : { كيف تحكمون* } فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل ، أ{[37956]}بالباطل أم بالحق ؟ فقد تبين الرشد من الغي ؛ والبدء :العقل الأول ؛ والإعادة : إيجاد الشيء ثانياً ؛ والهداية : التعريف بطريق الرشد من الغي .


[37944]:في ظ: من أحوال.
[37945]:في ظ: من أحوال.
[37946]:زيد من ظ.
[37947]:في ظ "و".
[37948]:زيد من ظ.
[37949]:من ظ، وفي الأصل: بخبري.
[37950]:زيد من ظ.
[37951]:من ظ، وفي الأصل: اختلاف.
[37952]:زيد من ظ.
[37953]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[37954]:في ظ: المنهج.
[37955]:في ظ: فسبب.
[37956]:في ظ: أما.