قوله تعالى : " وجاءه قومه يهرعون إليه " في موضع الحال . " يهرعون " أي يسرعون . قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة ، يقال : أهرع الرجل إهرَاعا أي أسرع في رِعْدَةٍ من بَرْدٍ أو غضب أو حُمَّى ، وهو مُهْرَع ، قال مهلهل :
فجاؤوا يُهْرَعون وهم أسارَى *** نَقودُهُم على رَغْمِ الأُنُوفِ
وهذا مثل : أولع فلان بالأمر ، وأرعد زيد . وزهي فلان . وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه . وقيل : أهرع أي أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ ، وعلى هذا " يهرعون " أي يستحثون عليه . ومن قال بالأول قال : لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع ، على لفظ ما لم يسم فاعله . قال ابن القوطية : هرع الإنسان هرعا ، وأهرع : سيق واستعجل . وقال الهروي يقال : هرع الرجل وأهرع أي استحث . قال ابن عباس وقتادة والسدي : ( " يهرعون " يهرولون ) . الضحاك : يسعون . ابن عيينة : كأنهم يدفعون . وقال شمر بن عطية : هو مشي بين الهرولة والجَمَزَى . وقال الحسن : مشي بين مشيين ، والمعنى متقارب . وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة ، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم ، خرجت حتى أتت مجالس قومها ، فقالت لهم : إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا ، وكذا وكذا ، فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه . ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له . وقيل : وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم ، فسألوها الدلالة على من يضيفهم ، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط ، وقالت لهم : مكانكم ! وذهبت إلى أبيها فأخبرته ، فخرج إليهم ، فقالوا : نريد أن تضيفنا الليلة ، فقال لهم : أوما سمعتم بعمل هؤلاء القوم ؟ فقالوا : وما عملهم ؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض - وقد كان الله عز وجل ، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات - فلما قال لوط هذه المقالة ، قال جبريل لأصحابه : هذه واحدة ، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ، ثم دخل بهم المدينة .
قوله تعالى : " ومن قبل " أي ومن قبل مجيء الرسل . وقيل : من قبل لوط . " كانوا يعملون السيئات " أي كانت عادتهم إتيان الرجال . فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا ، وقال : " هؤلاء بناتي " ابتداء وخبر . وقد اختلف في قوله : " هؤلاء بناتي " فقيل : كان له ثلاث بنات من صلبه . وقيل : بنتان : زيتا{[8799]} وزعوراء ، فقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه . وقيل : ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح ، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة ، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ ، فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب ، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي ، وكانا كافرين . وقالت فرقة - منهم مجاهد وسعيد بن جبير - أشار بقوله : " بناتي " إلى النساء جملة ؛ إذ نبي القوم أب لهم ، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود . " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " [ الأحزاب : 6 ] . وقالت طائفة : إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه ، روي هذا القول عن أبي عبيدة ، كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير : الخنزير أحل لك من هذا . وقال عكرمة : لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته ، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا .
قوله تعالى : " هن أطهر لكم " ابتداء وخبر ؛ أي : أزوجكموهن ، فهو أطهر لكم مما تريدون ، أي أحل . والتطهر التنزه عما لا يحل . وقال ابن عباس : ( كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم ، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته ) . وليس ألف " أطهر " للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال{[8800]} طهارة ، بل هو كقولك : الله أكبر وأعلى وأجل ، وإن لم يكن تفضيل ، وهذا جائز شائع{[8801]} في كلام العرب ، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه . وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد : اعل هبل{[8802]} اعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( قل الله أعلى وأجل ) . وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا . وقرأ العامة برفع الراء . وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو " هن أطهر " بالنصب على الحال . و " هن " عماد . ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون " هن " ههنا عمادا ، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها ، نحو كان زيد هو أخاك ، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت . قال الزجاج : ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر . وقال غيره : يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها .
قوله تعالى : " فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي " أي لا تهينوني ولا تذلوني . ومنه قول حسان :
فأخزاك ربي يا عُتيبَ بن مالك *** ولقَّاكَ قبلَ الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنبي تَعَمُّدًا *** ودَمَّيْتَ فاهُ قُطِّعَتْ بالبَوَارِقِ
ويجوز أن يكون من الخزاية ، وهو الحياء ، والخجل ، قال ذو الرمة :
خزاية{[8803]} أدركته بعد جولته *** من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
من البيض لا تَخْزَى إذا الريح ألصقت*** بها مِرْطَهَا أو زايلَ الحَلْيُ جيدَهَا
وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد ؛ لأنه في الأصل مصدر ، قال الشاعر :
لا تعدمي الدهرَ شِفَارَ الجازِرِ *** للضيفِ والضيفُ أحقُّ زائرِ
ويجوز فيه التثنية والجمع ، والأول أكثر كقولك : رجال صَوْمٍ وفِطْرٍ وزَوْرٍ . وخزي الرجل خَزَايَةً ، أي استحيا مثل ذلَّ وهان . وخزي خزيا إذا افتضح ، يخزى فيهما جميعا . ثم وبخهم بقوله : " أليس منكم رجل رشيد " أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . وقيل : " رشيد " أي ذو رشد . أو بمعنى راشد أو مرشد ، أي صالح أو مصلح ابن عباس : مؤمن . أبو مالك : ناه عن المنكر . وقيل : الرشيد بمعنى الرشد ، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة . ويجوز أي يكون بمعنى المرشد ، كالحكيم بمعنى المحكم .
{ وجاءه قومه } أي الذين فيهم قوة المحاولة { يهرعون } أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه { إليه } أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه ، فهو يضطرب{[39801]} لذلك ، أو لأجل الرعب من لوط عليه السلام أو من الملائكة عليهم السلام .
ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - لم يستغرق زمن القبل ، أدخل{[39802]} الجار فقال : { ومن قبل } أي قبل هذا المجيء { كانوا } أي جبلة وطبعاً { يعملون } أي مع الاستمرار { السيئات } أي الفواحش التي تسوء غاية المساءة فضربوا{[39803]} بها ومرنوا عليها حتى زال عندهم استقباحها ، فهو يعرف ما يريدون ، وكأنهم كانوا لا يدعون مليحاً{[39804]} ولا غيره من الغرباء ، فلذلك لم يذكر أن الرسل عليهم السلام كانوا على هيئة{[39805]} المرد الحسان ، ولا قيد الذكران في قصتهم في موضع من المواضع بالمرودية{[39806]} . فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ فقيل{[39807]} : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم { هؤلاء بناتي } حادياً لهم إلى الحياء والكرم .
ولما كان كأنه قيل : ما نفعل بهن ؟ قال : { هن } ولما كان في مقام المدافعة{[39808]} باللين ، قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيراً بلطافة إلى خبث ما يريدونه : { أطهر لكم } وليس المراد من هذا حقيقته ، بل تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي فيهما{[39809]} على حد سواء أو{[39810]} في الضيف أعظم ، ومثل هذا أن يشفع الإنسان فيمن يضرب ، فإذا عظم الأمر ألقى{[39811]} نفسه عليه فصورته أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه ، ومعناه احترامه باحترامه ، وعلى هذا يدل قوله في الآية الأخرى { إن كنتم فاعلين } وهنا قوله : { فاتقوا الله } أي الملك الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه { ولا تخزون } أي توقعوا بي الفضيحة التي فيها الذل والهوان{[39812]} والعار { في ضيفي } إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين ، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات للأب ، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم آدميون ولم يلم بخاطره أنهم ملائكة ، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق ؛ ثم أنكر أشد الإنكار حالهم في أنهم لا يكون منهم رشيد حثاً على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد{[39813]} فقال : { أليس منكم رجل } أي كامل الرجولية { رشيد* } كامل الرشد{[39814]} ليكفكم عن هذا القبيح{[39815]} ،