الأولى : قوله تعالى : " ثم بدا لهم " أي ظهر للعزيز وأهل مشورته " من بعد أن رأوا الآيات " أي علامات براءة يوسف - من قد القميص من دبر ، وشهادة الشاهد ، وحز الأيدي ، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف : أن يسجنوه كتمانا للقصة ألا تشيع في العامة ، وللحيلولة بينه وبينها . وقيل : هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم ، والأول أصح . قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات " قال : القميص من الآيات ، وشهادة الشاهد من الآيات ، وقطع الأيدي من الآيات ، وإعظام النساء إياه من الآيات . وقيل : ألجأها الخجل من الناس ، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب ، لتشتفي إذا منعت من نظره ، قال :
وما صبابةُ مشتاقٍ على أَمَلٍ*** من اللقاءِ كمُشْتَاقٍ بلاَ أَمَلِ
أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه .
الثانية : قوله تعالى : " ليَسْجُنُنه " " يُسْجُنُنه " في موضع الفاعل ، أي ظهر لهم أن يسجنوه ، هذا قول سيبويه . قال المبرد : وهذا غلط ، لا يكون الفاعل جملة ، ولكن الفاعل ما دل عليه " بدا " وهو مصدر ، أي بدا لهم بداء ، فحذف لأن الفعل يدل عليه ، كما قال الشاعر :
وحقَّ لمن أبو موسى أبوهُ*** يوفِّقُهُ الذي نصبَ الجِبَالاَ
أي وحق الحق ، فحذف . وقيل : المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه ، وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه ، وحذف أيضا القول ، أي قالوا : ليسجننه ، واللام جواب ليمين مضمر ، قاله الفراء . وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث ، ولو كان فعلا مؤنثا لكان يسجنانه ، ويدل على هذا قوله " لهم " ولم يقل لهن ، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن فغلب المذكر ، قاله أبو علي . وقال السدي : كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز شكت إليه أنه شهرها ونشر خبرها ، فالضمير على هذا في " لهم " للملك .
الثالثة : قوله تعالى : " حتى حين " أي إلى مدة غير معلومة ، قاله كثير من المفسرين . وقال ابن عباس : إلى انقطاع ما شاع في المدينة . وقال سعيد بن جبير : إلى ستة أشهر . وحكى الكيا أنه عنى ثلاثة عشر شهرا . عكرمة : تسع سنين . الكلبي : خمس سنين . مقاتل : سبع{[9102]} . وقد مضى في " البقرة " {[9103]} القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام . وقال وهب : أقام في السجن اثنتي عشرة سنة . و " حتى " بمعنى إلى ، كقوله : " حتى مطلع الفجر{[9104]} " [ القدر : 5 ] . وجعل الله الحبس تطهيرا ليوسف صلى الله عليه وسلم{[9105]} من همه بالمرأة . وكأن العزيز - وإن عرف براءة يوسف - أطاع المرأة في سجن يوسف . قال ابن عباس : عثر يوسف ثلاث عثرات : حين هم بها فسجن ، وحين قال للفتى : " اذكرني عند ربك " [ يوسف : 42 ] فلبث في السجن بضع سنين ، وحين قال لإخوته : " إنكم لسارقون " [ يوسف : 70 ] فقالوا : " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " . [ يوسف : 77 ] .
الرابعة : أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن ، وأقام خمسة أعوام ، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره ، ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعا . فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء ، والصحيح أنه إذا كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحده . وقد قال بعض علمائنا : إنه لا يسقط عنه الحد ، وهو ضعيف ، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين ، ولا يصرفه بين بلاءين ، فإنه من أعظم الحرج في الدين . " وما جعل عليكم في الدين من حرج{[9106]} " . [ الحج : 78 ] . وسيأتي بيان هذا في " النحل " {[9107]} إن شاء الله . وصبر يوسف ، واستعاذ به من الكيد ، فاستجاب له على ما تقدم .
ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته ، فكان حينئذٍ أبعد شيء عن{[41242]} السجن لو كان الناس متمكنين من جري{[41243]} أمورهم على حسب السديد من عقولهم ، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا{[41244]} الغيّ بالرشاد ، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات{[41245]} العز والمكنة{[41246]} له ، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة{[41247]} لغالب أمر الله وإظهاراً لعليّ قدره بمخالفة{[41248]} العوائد مرة بعد مرة ، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة ؛ فقال : { ثم } لهذا المعنى ، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا{[41249]} من{[41250]} سجنه{[41251]} في غاية البعد { بدا } أي ظهر{[41252]} بعد الخفاء كما هي عادتهم { لهم } والبداء في الرأي{[41253]} : التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه .
ولما كان ذلك{[41254]} الظهور{[41255]} في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر ، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال : { من بعد ما رأوا }{[41256]} أي رؤيتهم{[41257]} { الأيات } القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك .
ولما كان فاعل{[41258]} بدا " بداء " {[41259]} رأى ، فسره بقوله مؤكداً ، لأنه لا يصدق أن الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه : { ليسجننه } فيمكث في السجن { حتى حين } أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة ، ويظهر الناس أنها لو{[41260]} كانت تحبه ما سعت في سجنه ، وقيل : إن ذلك الحين سبع سنين{[41261]} ، قيل : كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز{[41262]} : إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب ، وأنا محبوسة ، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر ، وإما أن تسويه بي{[41263]} في السجن ؛ قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : فأمر به فحمل على حمار{[41264]} وضرب{[41265]} أمامه بالطبل ، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدته ، فهذا جزاءه أن يسجن ! قال{[41266]} أبو صالح : ما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث إلاّ بكى - انتهى . وهذا دليل على قوله{ إن كيدكن عظيم }[ يوسف : 28 ] .
قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع : وعلى الجملة فكل{[41267]} أحوال يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف{[41268]} ، ونعمة في طي{[41269]} بلية{[41270]} ونقمة{[41271]} ، ويسر في عسر{[41272]} ، ورجاء في يأس ، وخلاص بعد لات مناص ، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف ، وربما يسوقه بلطف ، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.