الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (22)

قوله تعالى : " وقال الشيطان لما قضي الأمر " قال الحسن : يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا . ومعنى : " لما قضي الأمر " أي حصل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، على ما يأتي بيانه في " مريم " {[9489]} عليها السلام . " إن الله وعدكم وعد الحق " يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدقكم وعده ، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم . وروي ابن المبارك من حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال : ( فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون : قد وجه المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ؟ فيقولون : ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ، فيقولون : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيثور مجلُسه من أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم ويقول عند ذلك : " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم " الآية ) . " وعد الحق " هو إضافة الشيء إلى نعته{[9490]} كقولهم : مسجد الجامع ، قال الفراء قال البصريون : وعدكم وعد اليوم الحق أو وعدكم وعد الوعد الحق فصدقكم ، فحذف المصدر لدلالة الحال . " وما كان لي عليكم من سلطان " أي من حجة وبيان ، أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزينته لكم في الدنيا ، " إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " أي أغويتكم فتابعتموني . وقيل : لم أقهركم على ما دعوتكم إليه . " إلا أن دعوتكم " هو استثناء منقطع ، أي لكن دعوتكم بالوسواس فاستجبتم لي باختياركم ، " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وقيل : " وما كان لي عليكم من سلطان " أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي ، وهذا على أنه خطب العاصي المؤمن والكافر الجاحد ، وفيه نظر ؛ لقوله : " لما قضي الأمر " فإنه يدل على أنه خطب الكفار دون العاصين الموحدين ، والله أعلم . " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " إذا جئتموني من غير حجة . " ما أنا بمصرخكم " أي بمغيثكم . " وما أنتم بمصرخي " أي بمغيثي . والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة ، والمصرخ هو المغيث . قال سلامة بن جندل .

كُنَّا إذا ما أتَانَا صارخٌ فَزِعٌ *** وكان الصراخُ له قرعَ الظَّنَابِيبِ{[9491]}

وقال أمية بن أبي الصلت :

ولا تجزعوا إني لكم غيرُ مُصْرِخٍ *** وليس لكم عندي غَنَاءٌ ولا نَصْرُ

يقال : صرخ فلان أي استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة . واصطرخ بمعنى صرخ . والتصرخ تكلف الصراخ . والمُصْرِخُ المغيث ، والمستصرخ المستغيث ، تقول منه : استصرخني فأصرخته . والصريخ صوت المستصرخ . والصريخ أيضا الصارخ ، وهو المغيث والمستغيث ، وهو من الأضداد ، قاله الجوهري . وقراءة العامة " بمصرخي " بفتح الياء . وقرأ الأعمش وحمزة " بمصرخي " بكسر الياء . والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون للإضافة ، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة ، فمن نصب فلأجل التضعيف ، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعين فيها الفتح مثل : هواي وعصاي ، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان ، مثل : غلامي وغلامتي ، ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر ؛ لأن الياء أخت الكسرة . وقال الفراء : قراءة حمزة وهم منه ، وقل من سلم منهم{[9492]} عن خطأ . وقال الزجاج : هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف . وقال قطرب : هذه لغة بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء . القشيري : والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو رديء ، بل هو في القرآن فصيح ، وفيه ما هو أفصح منه ، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح . " إني كفرت بما أشركتموني من قبل " أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة ، ف " ما " بمعنى المصدر . وقال ابن جريج{[9493]} : إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك بالله تعالى . قتادة : إني عصيت الله . الثوري : كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا . " إن الظالمين لهم عذاب أليم " . وفي هذه الآيات رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم ، انظر إلى قول المتبوعين : " لو هدانا الله لهديناكم " وقول إبليس : " إن الله وعدكم وعد الحق " كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات النار ، كما قال في موضع آخر : " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها " [ الملك : 8 ] إلى قوله : " فاعترفوا بذنبهم{[9494]} " [ الملك : 11 ] واعترافهم في دركات لظى بالحق ليس بنافع ، وإنما ينفع الاعتراف صاحبه في الدنيا ، قال الله عز وجل : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم{[9495]} " [ التوبة : 102 ] و " عسى " من الله واجبة{[9496]} .


[9489]:راجع ج 11 ص 105.
[9490]:كذا في الأصول.
[9491]:الظنابيب (جمع) ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم. وقرع الظنبوب: أن يقرع الرجل ظنبوب البعير ليتنوخ له فيركبه، والمراد هنا سرعة الإجابة.
[9492]:أي من الفراء.
[9493]:كذا في ع، وفي ا و ج و و: ابن حجر.
[9494]:راجع ج 18 ص 212.
[9495]:راجع ج 8 ص 241 و ص 313.
[9496]:أي ما دلت عليه محقق الحصول من الله.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (22)

ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين ، خص بالإفراد بالجواب فقيل : { وقال } أول المتبوعين في الضلال{[44896]} { الشيطان } الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي{[44897]} ببعده واحتراقه { لما قضي الأمر } بتعين{[44898]} قوم للجنة وقوم للنار ، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان{[44899]} ، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال{[44900]} { وعدكم وعد الحق } بأن أرسل إليكم رسلاً{[44901]} وأنزل معهم براهين وكتباً{[44902]} أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار ، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم{[44903]} الشياطين ، وبشر من أجاب ، وحذر من أبى ، بما هو قادرعليه أتم القدرة ، فكل ما{[44904]} قاله طابقه{[44905]} الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ووفى لكم{[44906]} { ووعدتكم } أنا بما زينت لكم به{[44907]} المعاصي من الوساوس{[44908]} وعد الباطل { فأخلفتكم } فلم أقل شيئاً إلا كان زيغاً ، فاتبعتموني مع كوني عدوكم ، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم{[44909]} ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر { وعد الحق } أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً ، و { أخلفتكم } ثانياً دليلاً على حذف " صدقكم{[44910]} " أولاً .

ولما بين غروره ، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم{[44911]} فقال : { وما كان } لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان { لي عليكم } وأبلغ في النفي فقال : { من سلطان } أي تسلط{[44912]} كبير أو صغير بشيء من الأشياء { إلا أن } أي بأن { دعوتكم } بالوسوسة التي كانت سبباً لتقوية دواعيكم إلى الشر { فاستجبتم } أي أوجدتم{[44913]} الإجابة إيجاد من هو طالب لها ، راغب فيها { لي } محكمين الشهوات ، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء ، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها{[44914]} وما في{[44915]} سبل{[44916]} غيرهم من الظلام السادّ لها ، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى ، وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه ، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين ، مع تهديدهم{[44917]} بما هو قادر على عليه وضربهم ببعضه ، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه { فلا } أي{[44918]} فاذ قد{[44919]} تقرر هذا تسبب عنه أني{[44920]} أقول لكم : لا{[44921]} { تلوموني ولوموا أنفسكم } لأنكم مؤاخذون بكسبكم ، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير ، وعلم منه{[44922]} قطعاً أن كلاًّ منا مشغول عن صاحبه بما جزي به ، فعلم أني { ما أنا بمصرخكم } أي بمغيثكم{[44923]} فيما يخصكم من العذاب ، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه { وما أنتم بمصرخي } فيما يخصني منه لتقطع الأسباب ، بما دهى من العذاب ، ثم علل ذلك بقوله : { إني كفرت } مستهيناً { بما أشركتمون } أي{[44924]} باتخاذكم لي{[44925]} شريكاً مع الله .

ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان ، أتى بالجار فقال : { من قبل } لأن ذلك ظلم عظيم ، ثم علل هذه العلة بقوله : { إن الظالمين } أي العريقين{[44926]} في هذا الوصف { لهم عذاب أليم * } مكتوب لكم منهم مقداره ، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئاً ، بل كل مقصور على ما قدر له ، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد{[44927]} لذلك اليوم قبل أن لا{[44928]} يكون إلا الندم وقرع{[44929]} السن وعض اليد{[44930]} .


[44896]:في ظ: الجواب.
[44897]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: المفضي.
[44898]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بتعيين.
[44899]:زيد من ظ و م ومد.
[44900]:في ظ: الكلام.
[44901]:في ظ: رسولا.
[44902]:في ظ ومد: كتبنا.
[44903]:في الأصل و ظ ومد: أجابتكم، وفي م: اجبالتكم- كذا.
[44904]:من م، وفي الأصل: له طايفة، وفي ظ: قاله طابق، وفي مد: قاله طابقة- كذا.
[44905]:من م، وفي الأصل: له طايفة، وفي ظ: قاله طابق، وفي مد: قاله طابقة- كذا.
[44906]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: بكم.
[44907]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: للعاصي من المساوس.
[44908]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: للعاصي من المساوس.
[44909]:زيد من ظ و م ومد.
[44910]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ضده.
[44911]:في ظ: تقديمكم.
[44912]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تسلطا.
[44913]:في ظ: أخذتم.
[44914]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لها.
[44915]:زيد من ظ و م ومد.
[44916]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: سبيل.
[44917]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تهديهم.
[44918]:زيد من ظ و م ومد.
[44919]:زيد من ظ و م ومد.
[44920]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أي.
[44921]:زيد من ظ و م ومد.
[44922]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: منكم.
[44923]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بمعينكم.
[44924]:زيد من ظ و م ومد.
[44925]:زيد من ظ و م ومد.
[44926]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الغريقين.
[44927]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الاستعداد.
[44928]:سقط من ظ.
[44929]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: قوع.
[44930]:في مد: اليوم.