الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (9)

قوله تعالى : " ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود " النبأ الخبر ، والجمع الأنباء ، قال{[9456]} :

ألم يأتِيكَ والأنْبَاء تَنْمِي

ثم قيل : هو من قول موسى . وقيل : من قول الله ، أي واذكر يا محمد إذ قال ربك كذا . وقيل : هو ابتداء خطاب من الله تعالى . وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه الله في كتابه . وقوله : " والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " أي لا يحصي عددهم إلا الله ، ولا يعرف نسبهم إلا الله ، والنسابون وإن نسبوا إلى آدم فلا يدعون إحصاء جميع الأمم ، وإنما ينسبون البعض ، ويمسكون عن نسب البعض ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان ثم زادوا فقال : ( كذب النسابون إن الله يقول : " لا يعلمهم إلا الله " ) . وقد روي عن عروة بن الزبير أنه قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل . وقال ابن عباس : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ : " لا يعلمهم إلا الله " . كذب النسابون . " جاءتهم رسلهم بالبينات " أي بالحجج والدلالات . " فردوا أيديهم في أفواههم " أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا{[9457]} مما جاء به الرسل ؛ إذ كان فيه تسفيه أحلامهم ، وشتم أصنامهم ، قاله بن مسعود ، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد ، وقرأ : " عضوا عليكم الأنامل من " الغيظ " {[9458]} [ آل عمران : 119 ] . وقال ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم . وقال أبو صالح : كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم : أن اسكت ، تكذيبا له ، وردا لقوله ، وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . والضميران للكفار ، والقول الأول أصحها إسنادا ، قال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن{[9459]} عبد الله في قوله تعالى : " فردوا أيديهم في أفواههم " قال : عضوا عليها غيظا ، وقال الشاعر :

لو أن سلمى أبصرتْ تَخَدُّدِي{[9460]} *** ودِقَّةً في عظمِ ساقِي ويَدِي

وَبُعْدَ أهلِي وجفاءَ عُودِي *** عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بأطرافِ اليَدِ

وقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " {[9461]} مجودا ، والحمد لله . وقال مجاهد وقتادة : ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم ، فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار . وقال الحسن وغيره : جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ، فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل . وقيل معناه : أومأوا للرسل أن يسكتوا . وقال مقاتل : أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم . وقيل : رد الرسل أيدي القوم في أفواههم . وقيل : إن الأيدي هنا النعم ، أي ردوا نعم الرسل بأفواههم ، أي بالنطق والتكذيب ، ومجيء الرسل بالشرائع نعم ، والمعنى : كذبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل . و " في " بمعنى الباء ، يقال : جلست في البيت وبالبيت ، وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض . وقال أبو عبيدة : هو ضرب مثل ، أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده في فيه . وقاله الأخفش أيضا . وقال القتبي : لم نسمع أحدا من العرب يقول : رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به ، وإنما المعنى : عضوا على الأيدي حنقا وغيظا ، لقول الشاعر :

تَرُدُّونَ في فِيهِ غِشَّ الحَسُو*** دِ حتى يَعَضَّ عليّ الأَكُفَّا

يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه . وقال آخر :

قد أَفْنَى أناملَهُ أَزْمَةً{[9462]} *** فأضحى يَعُضُّ عليّ الوَظِيفَا

وقالوا : - يعني الأمم للرسل : " وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به " أي بالإرسال على زعمكم ، لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا . " وإنا لفي شك " أي في ريب ومرية . " مما تدعوننا إليه " من التوحيد .

قوله تعالى : " مريب " أي موجب للريبة ، يقال : أربته إذ فعلت أمرا من أوجب ريبة وشكا ، أي نظن أنكم تطلبون الملك والدنيا .


[9456]:القائل هو: قيس بن زهير، وتمام البيت: بما لاقت لبون بني زياد وبعده: ومحبسها على القرشي تشرى *** بأدراع وأسياف حداد وبنو زياد: الربيع بن زياد وإخوته، أخذ لقيس درعا فاستاق قيس إبل الربيع لمكة وباعها لعبد الله بن جدعان – وهو مراده بالقرشي- بدروع وسيوف.
[9457]:من ي، وهي رواية ابن عباس. وفي ا و ح و و : عضا.
[9458]:راجع ج 4 ص 182.
[9459]:من ي.
[9460]:التخدد: أن يضطرب اللحم من الهزال.
[9461]:راجع ج 4 ص 182.
[9462]:أزمة: عضا، والوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (9)

ولما حذرهم{[44701]} انتقام الله إن كفروا{[44702]} ، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية ، وعين{[44703]} منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبداناً ، وأكثرهم أعواناً ، وأقواهم آثاراً ، وأطولهم أعماراً ، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول ، لأن{[44704]} النفس للمحسوس{[44705]} أقبل ، فقال{[44706]} دالاً على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفاً لهم من سطوات الله سبحانه : { ألم يأتكم } أي يا بني إسرائيل { نبأ الذين } ولما كان المراد قوماً مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال : { من قبلكم } ثم أبدل منهم فقال : { قوم } أي نبأ قوم { نوح } وكانوا ملء الأرض { و{[44707]} } نبأ { عاد } وكانوا أشد الناس أبداناً وأثبتهم جناناً { و } نبأ { ثمود } وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور { و } نبأ { الذين } ولما كان المراد البعض ، أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي في الزمن{[44708]} حال كونهم في الكثرة بحيث { لا يعلمهم } أي حق العلم على التفصيل { إلا الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنياً حميداً عند أخذهم وبعده كما كان قبله ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون{[44709]} .

ثم فصل سبحانه خبرهم ، فقال - جواباً لمن كأنه قال : ما كان نبأهم{[44710]} ؟ { جاءتهم رسلهم بالبينات } وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه { فردوا } أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول { أيديهم في أفواههم } وهو إشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت ، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد ؛ قال الرازي في اللوامع : حكى أبو عبيد : كلمته في حاجتي{[44711]} فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب . { و } بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة { قالوا } أي الأمم { إنا كفرنا } أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين { بما } ولما كان رد الرسالة جامعاً للكفر ، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله ، بنوا للمفعول قولهم : { أرسلتم به } أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلاً عن القطع ، فلذا{[44712]} لا يحتاج رده إلى تأمل{[44713]} .

ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد ، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار ، أكدوا : { وإنا لفي شك }{[44714]} أي محيط بنا{[44715]} ، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما ، يتعاقب على حال الذكر ويضاد{[44716]} العلم والجهل .

ولما كان الدعاء مسنداً إلى جماعة الرسل ، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين{[44717]} بخلاف ما{[44718]} مضى في هود{[44719]} ، فقالوا{[44720]} : { مما } أي شيء { تدعوننا } أيها الرسل { إليه } أي من الدين { مريب } أي موجب للتهمة وموقع في الشك{[44721]} والاضطراب والفزع{[44722]} ، من أراب{[44723]} الرجل : صار ذا ريبة{[44724]} أي قلق وتزلزل{[44725]} .


[44701]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: حذركم.
[44702]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: اكفروا.
[44703]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: عبر.
[44704]:في ظ: المحسوس.
[44705]:في ظ: المحسوس.
[44706]:زيد من م.
[44707]:سقطت الواو من مد.
[44708]:في م ومد: الزمان، وزيد في الأصل بعده: من، ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[44709]:يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمها عن العباد- راجع روح المعاني 4/215.
[44710]:من ظ و م، وفي الأصل: شانهم، وفي مد: ثباهم- كذا.
[44711]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ماحتي.
[44712]:في ظ: قلنا لك.
[44713]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد، غير أن في م فقط زيد بعد العبارة المحجوزة: كان رده لا يحتاج إلى تأمل.
[44714]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44715]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44716]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تضاد.
[44717]:زيدت الواو بعده في ظ.
[44718]:سقط من ظ ومد.
[44719]:آية 62.
[44720]:في ظ: فقال.
[44721]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44722]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44723]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ارايب- كذا.
[44724]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44725]:سقط ما بين الرقمين من م.