الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (97)

قوله تعالى : " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " ، شرط وجوابه .

وفي الحياة الطيبة خمسة أقوال : الأول : أنه الرزق الحلال ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك . الثاني : القناعة ، قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه ، ورواه الحكم عن عكرمة عن ابن عباس ، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه . الثالث : توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان الله ، قال معناه الضحاك . وقال أيضا : من عمل صالحا وهو مؤمن في فاقة وميسرة فحياته طيبة ، ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحا فمعيشته ضنك لا خير فيها . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هي الجنة ، وقاله الحسن ، وقال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة . وقيل : هي السعادة ، روي عن ابن عباس أيضا . وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة . وقال سهل بن عبد الله التستري : هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق . وقال جعفر الصادق : هي المعرفة بالله ، وصدق المقام بين يدي الله . وقيل : الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق . وقيل : الرضا بالقضاء . " ولنجزينهم أجرهم " ، أي : في الآخرة . وقال : ( فلنحيينه ) ، ثم قال : ( ولنجزينهم ) ؛ لأن ( من ) يصلح للواحد والجمع ، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى ، وقد تقدم . وقال أبو صالح : جلس ناس من أهل التوراة ، وناس من أهل الإنجيل ، وناس من أهل الأوثان ، فقال هؤلاء : نحن أفضل ، وقال هؤلاء : نحن أفضل ، فنزلت .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (97)

ولما وعد بعد أن توعد ، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفاً ولا وضيعاً ، وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة ، وبالعهد أخرى ، وهو الإيمان ، فقال تعالى جواباً لمن كأنه قال : هذا خاص بأحد دون أحد ، مرغباً في عموم شرائع الإسلام : { من عمل صالحاً } ، ولما كانت عامة ، وكانت ربما خصت الذكور ، بين المراد من عمومها بقوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } ، فعم ثم قيد ، مشيراً بالإفراد إلى قلة الراسخين بقوله تعالى : { وهو مؤمن } .

ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان ، كان جديراً بالبلاء والامتحان ، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته ، ولذلك أكد قوله : { فلنحيينه } ، دفعاً لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، { حياة طيبة } ، أي : في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم ، وطهارة الشيم ، { ولنجزينهم } ، كلهم { أجرهم } في الدنيا والآخرة ، { بأحسن ما كانوا } ، أي : كوناً جبلياً . { يعملون * } ، قال العلماء رضي الله عنهم : المطيع في عيشه هنيئة ، إن كان موسراً فلا كلام فيه ، وإن كان معسراً فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة ، والفاجر بالعكس ، إن كان معسراً فواضح ، وإن كان موسراً فحرصه لا يدعه يتهنأ ؛ فهو لا يزال في عيشة ضنك .