الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} (88)

أي عونا ونصيرا ، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه . نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، فأكذبهم الله تعالى . وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أول الكتاب{[10384]} والحمد لله . و " لا يأتون " جواب القسم في " لئن " وقد يجزم على إرادة الشرط . قال الشاعر :

لئن كان ما حُدِّثْتَهُ اليوم صادقا *** أقم{[10385]} في نهار القيظ للشمس باديا


[10384]:راجع ج 1 ص 79.
[10385]:رواية خزانة الأدب في الشاهد الرابع والثلاثين بعد التسعمائة: أصم في نهار القيظ.." الخ.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} (88)

ولما كان بمعرض أن يقولوا : إن ذهب عليك منه شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير ، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله : { قل } .

ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة ، والنظوم الرائقة ، كما دل عليه التعبير بالقرآن ، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة ، فقال تعالى مؤكداً باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله ، والجواب حينئذ للقسم ، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم : { لئن اجتمعت الإنس } الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم ، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة { والجن } الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم ، وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم { على أن يأتوا } أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم { بمثل هذا القرآن } أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل ، وخصه بالإشارة تنبيهاً على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله ، ليس فيه شيء من عند نفسه ، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة { لا يأتون } .

ولما كانت هذه السورة مكية ، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به ، وكان المظهر إذا أعيد مضمراً أمكن فيه الخصوص ، وكان المراد إنما هو الشمول ، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف ، لم يقل هنا " به " لذلك ، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله ، بل أظهر فقال دالاً على أن المراد جميع المكي والمدني : { بمثله } أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة ، مبيناً لأحسن المعاني بأوضح المباني ، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة ؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى : { ولو } ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة وتنافي الأغراض قال تعالى : { كان } أي جبلة وطبعاً على خلاف العادة { بعضهم لبعض ظهيراً * } أي معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه ، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى .