قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية } قال ابن عباس : هم اليهود . مجاهد : النصارى ، ورجحه الطبري ؛ لأنهم المذكورون في الآية أولا . وقال الربيع والسدي وقتادة : مشركو العرب . و{ لولا } بمعنى :هلا ، تحضيض ، كما قال الأشهب بن رميلة{[1121]} :
تعُدُّون عَقْرَ النِّيب أفضل مجدكم*** بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيّ المُقَنَّعَا
وليست هذه " لولا " التي تعطي منع الشيء لوجود غيره ، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن " لولا " بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا ، والتي للامتناع يليها الابتداء ، وجرت العادة بحذف الخبر . ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به ، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته . والآية : الدلالة والعلامة ، وقد تقدم{[1122]} . { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } ،
{ الذين من قبلهم } اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب ، أو الأمم السالفة في قول من جعل{ الذين لا يعلمون } اليهود والنصارى ، أو اليهود في قول من جعل " الذين لا يعلمون " النصارى . " تشابهت قلوبهم " قيل : في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان . وقال الفراء . { تشابهت قلوبهم } في اتفاقهم على الكفر . { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } تقدم{[1123]} .
ولما تقرر بما أنبأ{[4674]} من بديع آياته{[4675]} في منبث{[4676]} مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً{[4677]} دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتاً{[4678]} لهم وتنفيراً منهم بأنه لا حامل لهم{[4679]} على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال :
{ وقال الذين لا يعلمون } أي ليس لهم علم من العرب { لولا } أي هلا { يكلمنا الله } أي يوجد{[4680]} كلامه لنا على ما له من جميع الصفات { أو تأتينا آية } أي على حسب اقتراحنا عادّين{[4681]} ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية{[4682]} القرآن التي لا يوازيها{[4683]} آية أصلاً - عدماً .
ولما كان قولهم هذا جديراً{[4684]} بأن لا يصدق نبه عليه بقوله : { كذلك } أي الأمر كما ذكرنا عنهم{[4685]} . ولما كان كأنه قيل : هل وقع مثل هذا قط ؟ قيل : نعم ، وقع ما هو أعجب منه ، وهو أنه { قال الذين } {[4686]}ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال{[4687]} : { من قبلهم } {[4688]}ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب{[4689]} { مثل قولهم } ، ثم علله بقوله : { تشابهت قلوبهم } في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله . ولما كان ذلك توقّع{[4690]} السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل : هل قالوا ذلك جهلاً أو عناداً ؟ فقيل : بل عناداً لأنا { قد بينا الآيات } في كل آية{[4691]} في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي . ولما كان يقع البيان خاصاً بأهل الإيقان قال : { لقوم يوقنون } وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان ، وهو{[4692]} صفاء العلم عن كدر{[4693]} بطرق الريب{[4694]} لاجتماع شاهدي السمع والعين . قال{[4695]} الحرالي : وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين ، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً . استظهاراً لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالاً للفهم عن{[4696]} واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير { بينا } ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.