الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (117)

فيه ست مسائل :

الأولى : قوله تعالى : { بديع السماوات والأرض } فعيل للمبالغة ، وارتفع على خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع ، كبصير من مبصر . أبدعت الشيء لا عن مثال ، فالله عز وجل بديع السموات والأرض ، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال . وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع . وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ، وفي البخاري : " ونعمت البدعة هذه " يعني قيام رمضان .

الثانية : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يجوز أن يكون لها أصل في الشرع أولا ، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسول عليه ، فهي في حيز المدح . وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهذا فعله من الأفعال المحمودة ، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه . ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة{[1107]} هذه ، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح ، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس ، عليها ، فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها ، وجمع الناس لها ، وندبهم إليها ، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة . وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسول فهي في حيز الذم والإنكار ، قال معناه الخطابي وغيره .

قلت : وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته : " وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة ، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وقد بين هذا بقول : " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " . وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن ، وهو أصل هذا الباب ، وبالله العصمة والتوفيق ، لا رب غيره .

الثالثة : قوله تعالى : " وإذا قضى } أي إذا أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن . قال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، ومنه سمي القاضي ، لأنه إذا حكم فقد فرغ مما ببن الخصمين . وقال الأزهري : قضى في اللغة على وجوه ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه .

قال أبو ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ{[1108]}

وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قضيتَ أمورا ثم غادرت بعدها *** بواثق في أكمامها لم تُفَتَّقِ

قال علماؤنا : { قضى } لفظ مشترك ، يكون بمعنى الخلق ، قال الله تعالى : { فقضاهن سبع سماوات في يومين{[1109]} } [ فصلت : 12 ] أي خلقهن . ويكون بمعنى الإعلام ، قال الله تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب{[1110]} } [ الإسراء : 4 ] أي أعلمنا . ويكون بمعنى الأمر ، كقوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه{[1111]} } [ الإسراء : 23 ] . ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام ، ومنه سمي الحاكم قاضيا . ويكون بمعنى توفية الحق ، قال الله تعالى : { فلما قضى موسى الأجل{[1112]} } [ القصص : 29 ] . ويكون بمعنى الإرادة ، كقوله تعالى : { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [ غافر : 68 ] أي إذا أراد خلق شيء . قال ابن عطية : " قضى " معناه قدر ، وقد يجيء بمعنى أمضى ، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه . وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد .

الرابعة : قوله تعالى : { أمرا } الأمر واحد الأمور ، وليس بمصدر أمر يأمر . قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها :

الأول : الدين ، قال الله تعالى :{ حتى جاء الحق وظهر أمر الله{[1113]} } [ التوبة : 48 ] يعني دين الله الإسلام .

الثاني : القول ، ومنه قوله تعالى : { فإذا جاء أمرنا } يعني قولنا ، وقوله : { فتنازعوا أمرهم بينهم } [ طه : 62 ] يعني قولهم .

الثالث : العذاب ، ومنه قوله تعالى : { لما قضي الأمر{[1114]} } [ إبراهيم : 22 ] يعني لما وجب العذاب بأهل النار .

الرابع : عيسى عليه السلام ، قال الله تعالى : { إذا قضى أمرا{[1115]} } [ آل عمران : 47 ] يعني عيسى ، وكان في علمه أن يكون من غير أب .

الخامس : القتل ببدر ، قال الله تعالى : { فإذا جاء أمر الله{[1116]} } [ غافر : 78 ] يعني القتل ببدر ، وقوله تعالى : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا{[1117]} }[ الأنفال : 42 ] يعني قتل كفار مكة .

السادس : فتح مكة ، قال الله تعالى : { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره{[1118]} }[ التوبة : 24 ] يعني فتح مكة .

السابع : قتل قريظة وجلاء بني الضير ، قال الله تعالى : { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } [ البقرة : 109 ] .

الثامن : القيامة ، قال الله تعالى : { أتى أمر الله } [ النحل : 1 ] .

التاسع : القضاء ، قال الله تعالى : { يدبر الأمر } [ يونس : 3 ] يعني القضاء .

العاشر : الوحي ، قال الله تعالى : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض }[ السجدة : 5 ] يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض ، وقوله : { يتنزل الأمر بينهن }[ الطلاق : 12 ] يعني الوحي .

الحادي عشر : أمر الخلق ، قال الله تعالى : { ألا إلى الله تصير الأمور } [ الشورى : 53 ] يعني أمور الخلائق .

الثاني عشر : النصر ، قال الله تعالى : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } [ آل عمران : 154 ] يعنون النصر ، { قل إن الأمر كله لله }

[ آل عمران : 154 ] يعني النصر .

الثالث عشر : الذنب ، قال الله تعالى : { فذاقت وبال أمرها } [ الطلاق : 9 ] يعني جزاء ذنبها .

الرابع عشر : الشأن والفعل ، قال الله تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } [ هود : 97 ] أي فعله وشأنه ، وقال : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } [ النور : 63 ] أي فعله .

الخامسة : قوله تعالى : { فإنما يقول له كن } قيل : الكاف من كينونه ، والنون من نوره ، وهي المراد بقوله عليه السلام : " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " . ويروى : " بكلمة الله التامة " على الإفراد . فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها ، فإذا قال لكل أمر كن ، ولكل شيء كن ، فهن كلمات . يدل على هذا ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى : " عطائي كلام وعذابي كلام " . خرجه الترمذي في حديث فيه طول . والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا ، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة . وإنما قيل " تامة " لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف : حرف مبتدأ ، وحرف تحشى به الكلمة ، وحرف يسكت عليه . وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص ، كيد ودم وفم ، وإنما نقص لعلة . فهي من الآدميين المنقوصات لأنها على حرفين ، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات . ومن ربنا تبارك وتعالى تامة ، لأنها بغير الأدوات ، تعالى عن شبه المخلوقين .

السادسة : قوله تعالى : { فيكون } قرئ برفع النون على الاستئناف . قال سيبويه . فهو يكون ، أو فإنه يكون . وقال غيره : هو معطوف على

{ يقول } ، فعلى الأول كائنا بعد الأمر ، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذا هو عنده معلوم ، على ما يأتي بيانه . وعلى الثاني كائنا مع الأمر ، واختاره الطبري وقال : أمره للشيء ب { كن } لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه ، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود ، على ما يأتي بيانه . قال : ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه ، كما قال :{ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون{[1119]} }[ الروم : 25 ] . وضعف ابن عطية هذا القول وقال : هو خطأ من جهة المعنى ؛ لأنه يقتضي أن القول{[1120]} مع التكوين والوجود .

وتلخيص المعتقد في هذه الآية : أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها ، قادرا مع تأخر المقدورات ، عالما مع تأخر المعلومات . فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات ، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن . وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم ولم يزل . والمعنى الذي تقتضيه عبارة " كن " : هو قديم قائم بالذات .

وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟ أفي حال عدمه ، أم في حال وجوده ؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر ، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ، لأنه موجود حادث ؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة :

أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود ، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين ، ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات .

الثاني : أن الله عز وجل عالم هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : كوني . ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم .

الثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا ، كقول أبي النجم : قد قالت الأنساعُ للبطن الْحَقِ .

ولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقول عمرو بن حممة الدوسي :

فأصبحت مثل النسر طارت فراخه*** إذا رام تَطْيَاراً يقال له قَع

وكما قال الآخر : قالت جناحاه لساقيه الحقا *** ونجّيا لحمكما أن يمزقا


[1107]:يريد: قيام رمضان.
[1108]:مسرودتان: درعان مخزونتان. والصنع: الحاذق بالعمل.
[1109]:راجع ج 15 ص 345
[1110]:راجع ج 15 ص 345
[1111]:راجعة ج 10 ص 214، 236
[1112]:راجع ج 13 ص 280.
[1113]:راجع ج 8 ص 157
[1114]:راجع ج 9 ص 356
[1115]:راجع ج 4 ص 93
[1116]:راجع ج 15 ص 334
[1117]:راجع ج 8 ص 22
[1118]:راجع ج 8 ص 95
[1119]:راجع ج 14 ص 19
[1120]:في ا: "من جهة التكوين".
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (117)

ثم{[4620]} علل ذلك بما هو أعظم منه فقال : { بديع السماوات والأرض } أي خالقهما على غير مثال سبق ، وما أبدع كلية أمر كان أحرى{[4621]} أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه{[4622]} منه ؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي . { وإذا قضى } {[4623]}أي أراد { أمراً } منهما أو من غيرهما{[4624]} ، والقضاء إنفاذ{[4625]} المقدر . والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي . { فإنما يقول له كن } من الكون وهو{[4626]} كمال البادي{[4627]} في ظاهره وباطنه { فيكون } {[4628]}فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة ، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران . {[4629]}قال الحرالي : وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى {[4630]}غاية الكمال{[4631]} - انتهى . قالوا : ورفع " يكون " للاستئناف أي فهو يكون ، أو العطف على { يقول } إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل ، ومن قال بالأول منع العطف على { يقول } {[4632]}لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين ، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله : { ثم قال له كن فيكون{[4633]} }[ آل عمران : 59 ] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين{[4634]} المتعاطفين بالمضي وغيره ، وأول قوله :

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فمضيت ثم أقول لا يعنيني

بأن معناه : مررت ماضياً ، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني ؛ وفائدة التعبير به مضارعاً{[4635]} ، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير : كن فكان ، لأنه متى قضى شيئاً قال له : كن ، فيكون ، وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر{[4636]} أي يكون ؛ وقال : إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله :

{ ثم قال له كن{[4637]} فيكون{[4638]} }[ آل عمران : 59 ] . وهذا الموضع مجمع على رفعه ، وكذا قوله تعالى في الأنعام :

{ ويوم يقول{[4639]} كن فيكون }[ الأنعام : 73 ] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة : وهي هذا الموضع ، وقوله تعالى في آل عمران :

{ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون{[4640]} }[ آل عمران : 47 ] ، وفي مريم مثله سواء ، وفي غافر :{ فإذا قضى أمراً فإنما يقول له{[4641]} كن فيكون{[4642]} }[ غافر : 68 ] ؛ ووافقه الكسائي {[4643]}في حرفين{[4644]} في النحل :{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له{[4645]} كن فيكون{[4646]} }[ النحل : 40 ] وفي يس :{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون{[4647]} }[ يس : 82 ] فجعلوا النصب في هذين عطفاً على { يقول } وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله : { كن } اعتباراً بصورة اللفظ وإن{[4648]} لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير{[4649]} : يقول له يكون فيكون ، أي فيطاوع ، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه ، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه ، لأن التقدير : إن يكن يكن ؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية ، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية ؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن ، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط ، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى :ويعلم الذين يجادلون في آياتنا{[4650]} }[ الشورى : 35 ] بنصب " يعلم " في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات ، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على " إذا " قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد{[4651]} بن حسن الإستراباذي في الظرف{[4652]} من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته : ومنها " إذا " وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط ، فلذلك اختير بعدها الفعل ، والأصل في استعمال " إذا " أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه{[4653]} مقطوع به ، ثم قال : وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول مضمون الثانية ، فالمضمون الأول مفروض ملزوم ، والثاني لازمه ؛ ثم قال : و " إن " موضوعة لشرط مفروض وجوده{[4654]} في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه ، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم ، سواء شك في وقوعه كما في حقنا ، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى ؛ وقال : ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها ؛ ثم قال : فنقول{[4655]} : لما كان " إذا " للأمر{[4656]} المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده ، لتنافي{[4657]} القطع والفرض في الظاهر ، فلم يكن فيه معنى " إن " الشرطية ، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده ، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه{[4658]} جوّزوا تضمين " إذا " معنى " إن " كما في " متى " وسائر الأسماء الجوازم ، فيقول القائل : إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء ؛ ثم قال : ولما كثر دخول معنى الشرط في " إذا " وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى " إن " الشرطية ، وذلك في الأمور القطعية استعمال " إذا " المتضمنة لمعنى " إن " ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء ، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل ، وقد تضمر " أن " بعد الفاء والواو الواقعتين بعد الشرط{[4659]} قبل الجزاء ، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو . تكرمني - آتك ، أو بعد الشرط والجزاء ، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو : وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي ، إذ{[4660]} الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط ، ووجود الشرط مفروض ، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة ، وعليه حمل قوله تعالى : { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - إلى قوله :{ ويعلم الذين يجادلون{[4661]} }[ الشورى : 35 ] على {[4662]}قراءة النصب ؛ ثم قال : وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال ، كما تقدم في باب المضارع ، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف{[4663]} جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء ، يعني{[4664]} فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول ، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً ، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد ، وقبل الفاء المذكورة جملة ، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن ، فكان فيه شيئان : رفع جانب كون الفاء للعطف . وتقوية{[4665]} كونه للجزاء ؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى . فالتقدير هنا والله أعلم : فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات ، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها{[4666]} في{[4667]} الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه من سرعة{[4668]} الكون وأنه حق ، ثم رأيت البرهان بن{[4669]} إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى{[4670]} في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع{[4671]} - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي{[4672]} شيخ أبي حيان فقال ما نصه : زاد ابن الضائع في نصب { فيكون } وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا ، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت ، قال السفاقسي : ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما ، لأنهم أجازوا : إنما هي ضربة أسد فيتحطم{[4673]} ظهره .


[4620]:لما ذكر أنه مالك لجميع من في السماوات والأرض وأنهم كل قانتون له وهم المظروف للسماوات والأرض ذكر الظرفين، وخصهما بالبداعة لأنهما أعظم ما نشاهد من المخلوقات –قاله أبو حيان في البحر المحيط 1/ 364.
[4621]:في م: أخرى - كذا
[4622]:من ظ، وفي الأصل: سبيه، وفي مد: سبب
[4623]:العبارة أخرت في مد عن "قاله الحرالي"
[4624]:العبارة أخرت في مد عن "قاله الحرالي"
[4625]:من ظ و مد، وفي الأصل و م: إنفاذ –كذا بالدال
[4626]:في مد: كما قال الرازي
[4627]:في مد: كما قال الرازي
[4628]:وفي البحر المحيط: لما ذكر ما دل على الاختراع ذكر ما يدل على طواعية المخترع وسرعة تكوينه... والمعتقد في هذه الآية أن الله لم يزل آمرا للمعد ومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر وقوع المعلومات، وكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات والمحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما استند إلى الله من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل
[4629]:العبارة من هنا إلى "انتهى" ليست في مد
[4630]:من م و ظ، وفي الأصل ومد: كمال غاية
[4631]:من م و ظ، وفي الأصل ومد: كمال غاية
[4632]:في مد: يكون
[4633]:سورة 3 آية 59
[4634]:ليس في ظ
[4635]:زيد في مد: أن
[4636]:في م: الخير- كذا
[4637]:زيد من ظ و م
[4638]:كناية عن سرعة تكوين ما أراد، ولا خطاب هناك، لأن المعدوم لا يؤمر والموجود لا يؤمر بإيجاده، وهو من مجاز التمثيل؛ وقرئ برفع {فيكون} أي فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر، شبه الأمر المجازي بالأمر الحقيقي إذ الأمر الحقيقي ينتظم منه شرط وجزاء فلا بد من التغاير، إذ لا يصح تقدير:إن يكن يكن، ومن قال: إن النصب لحن، فهو نخطئ والقراءة في السبعة فهي من المتواتر –المدمن البحر المحيط 1/ 364 - 366
[4639]:زيد في الأصل "له" ولم تكن الزيادة في م زو ظ و مد والقرآن المجيد سورة 6 آية 73 فحذفناها
[4640]:سورة 3 آية 47
[4641]:زيد في مد: له -خطأ
[4642]:سورة 40 آية 68
[4643]:ليس في ظ
[4644]:ليس في ظ
[4645]:زيد في مد: له - خطأ
[4646]:سورة 16 آية 40.
[4647]:سورة 36 آية 82.
[4648]:في م: إنما
[4649]:في مد: والتقدير
[4650]:سورة 42 آية 35
[4651]:زيد في مد: محمد بن.
[4652]:في م و ظ ومد: الظروف
[4653]:ليس في مد
[4654]:في م: وجوه
[4655]:من مد، وفي م، فيقول، وفي الأصل و ظ: فنقول - كذا
[4656]:في مد: الأمر
[4657]:في م: لينافي
[4658]:في م: يتوقعه، ولا يتضح في مد.
[4659]:في م: و
[4660]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: إذا
[4661]:سورة 42 آية 35.
[4662]:في ظ: في
[4663]:في ظ: في
[4664]:في مد: تعطف
[4665]:من مد، وفي الأصل: تقوية –كذا وفي ظ و م: تقويته
[4666]:في مد: لظهور ما
[4667]:زيد في ظ: معنى
[4668]:في م: شرعة
[4669]:زيد في م
[4670]:في م: حلى -كذا
[4671]:في م: الصانع
[4672]:في مد الكتامي -كذا
[4673]:من ظ: وفي م و مد: فتحطم، وفي الأصل: فتحظم -كذا