الأولى : قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها } " ومن " رفع بالابتداء ، و " أظلم " خبره ، والمعنى لا أحد أظلم . و " أن " في موضع نصب على البدل من " مساجد " ، ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر ، ثم حذف . ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها ، وحرف الخفض يحذف مع " أن " لطول الكلام . وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه . وقيل الكعبة ، وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم . وقيل : المراد سائر المساجد ، والواحد مسجد ( بكسر الجيم ) ، ومن العرب من يقول : مسجد ، ( بفتحها ) . قال الفراء : " كل ما كان على فعل يفعل ، مثل دخل يدخل ، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا ، ولا يقع فيه الفرق ، مثل دخل يدخل مدخلا ، وهذا مدخله ، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين ، من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق ( من رفق يرفق ) والمنبت والمنسك ( من نسك ينسك ) ، فجعلوا الكسر علامة للاسم ، وربما فتحه بعض العرب في الاسم " . والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود . والآراب{[1087]} السبعة مساجد ، قاله الجوهري .
الثانية : واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت ، فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر ، لأنه كان أخرب بيت المقدس . وقال ابن عباس وغيره : نزلت في النصارى ، والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة ! وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه . ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له ، وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود . روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى . حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس . وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه . وقيل : نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية . وقيل : المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة ، وهو الصحيح ، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع ، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف ، والله تعالى أعلم .
الثالثة : خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل : اسمه نطوس{[1088]} بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا ، وحرقوا التوراة ، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه .
ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها .
الرابعة : قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضرورة{[1089]} ، سواء كان لها محرم أو لم يكن ، ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة ، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف ، بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه ، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة ، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ، ولذلك قلنا : لا يجوز أن يكون في المصر جامعان ، ولا لمسجد واحد إمامان ، ولا يصلي في مسجد جماعتان . وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة " براءة{[1090]} " إن شاء الله تعالى ، وفي " النور{[1091]} " حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى . ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة ، وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما .
الخامسة : كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا ، قال صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ، أخرجه الأئمة . وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين ، فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية ، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة ، وخرج عن اختصاص الأملاك .
السادسة : قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } ، " أولئك " مبتدأ وما بعده خبره . " خائفين " حال ، يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها . فإن دخلوها ، فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم ، وتأديبهم على دخولها . وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال ، على ما يأتي في " براءة " إن شاء الله تعالى . ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم . ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان " . وقيل : هو خبر ومقصوده الأمر ، أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا ، كقوله : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله{[1092]} } [ الأحزاب . 53 ] فإنه نهي ورد بلفظ الخبر .
السابعة : قوله تعالى : { لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } قيل القتل للحربي ، والجزية للذمي ، عن قتادة . السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي ، وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية ، وغير ذلك من مدنهم ، على ما ذكرناه في كتاب التذكرة . ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح ، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا .
ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه{[4516]} من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال{[4517]} : { ومن أظلم } أي منهم ، وإنما أبدل الضمير بقوله : { ممن منع{[4518]} مساجد الله } أي " {[4519]}الجامع لصفات الكمال{[4520]} التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها{[4521]} عليهم ، ثم أبدل من ذلك {[4522]}تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى{[4523]} " قوله : { أن يذكر فيها اسمه } وعطف بقوله : { وسعى في خرابها } أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم . والمنع الكف عما يترامى {[4524]}إليه . والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض{[4525]} محط القائم . والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى . والخراب ذهاب العمارة ، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي .
ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه{[4526]} والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال{[4527]} : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ما كان لهم } {[4528]}أي ما صح وما انبغى{[4529]} { أن يدخلوها } أي المساجد الموصوفة { إلا خائفين } {[4530]}وما كان أمنهم فيها إلا بسبب {[4531]}كثرة المساعد على{[4532]} ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك ، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال : { لهم في الدنيا خزي } أي عظيم بذلك وبغيره ، ثم زاده بأن عطف عليه قوله : { ولهم في الآخرة } {[4533]}التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال { عذاب عظيم } فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين .
قال الحرالي : وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهاً من وجوه العذاب ، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن ، وذلك أسوأ الخسار ؛ قال : ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد{[4534]} لذلك{[4535]} كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم{[4536]} في مسجد يكون فعله سبباً لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله{[4537]} في الدنيا ، حتى ينتظم{[4538]} بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها ، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه ؛ قال : كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه{[4539]} لدخولها تحت رقبة{[4540]} وذمة من أعدائه ، كما قد شهدت مشاهدة{[4541]} بصائر أهل التبصرة{[4542]} وخصوصاً في الأرض المقدسة المتناوب{[4543]} فيها دول الغلب{[4544]} بين هذه الأمة وأهل الكتاب{ الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين{[4545]} }[ الروم : 1-3 ] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك {[4546]}حتى{[4547]} تكون{[4548]} العاقبة للمتقين حين{[4549]} يفرح المؤمنون{[4550]} بنصر الله ، قال : وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها{[4551]} وحجرها{[4552]} على القاصدين{[4553]} للتحنث{[4554]} فيها والخلوة بذكر الله ، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها{[4555]} أن لا يذكر فيها غير اسم الله ، قال تعالى :{ في بيوت أذن الله أن ترفع{[4556]} }[ النور : 36 ] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة : من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم ، وابنوا على أبوابها المطاهر " ففي حل ذلك إنباء{[4557]} بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعياً في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى{[4558]} .