الأولى : قوله تعالى : " فإن خفتم " من الخوف الذي هو الفزع . " فرجالا " أي فصلوا رجالا . " أو ركبانا " معطوف عليه . والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه ، فهو رجل وراجل ورجل - ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز ؛ يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رَجُلا ، - حكاه الطبري وغيره - ورَجْلان ورَجِيل ورَجْل ، ويجمع على رجال ورَجْلى ورُجَّال ورُجَّالة ورُجَّالى ورُجْلاَن ورَجْلة ورجَله ( بفتح الجيم ) وأرجِلة وأراجل وأراجيل . والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال .
الثانية : لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا ، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها ، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه ، هذا قول العلماء ، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله ، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية .
الثالثة : هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السُّموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه .
الرابعة : واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا ، فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون{[2243]} معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب ، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه ، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف . فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا ، وقيل : يعيدون ، وهو قول أبي حنيفة . قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف ، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه . وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية ، وهذا يأتي بيانه في سورة " النساء " {[2244]} إن شاء الله تعالى . وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك ، فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن . وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء .
الخامسة : قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة ، وحديث ابن عمر يرد عليه ، وظاهر الآية أقوى دليل عليه ، وسيأتي هذا في " النساء " إن شاء الله تعالى . قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها ، والله أعلم .
السادسة : لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء ، روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة . قال ابن عبدالبر : انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به ، والصلاة أولى ما احتيط فيه ، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين . وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين . وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره ابن المنذر .
وقوله تعالى : " فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم " أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان . وقال مجاهد : " أمنتم " خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ، ورد الطبري على هذا القول . وقالت{[2245]} فرقة : " أمنتم " زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة .
السابعة : واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن ، فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى ، وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني . وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى . وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب . وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله .
الثامنة : قوله تعالى : " فاذكروا الله " قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ، ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه . فالكاف في قوله " كما " بمعنى الشكر ، تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا . " وما " في قوله " ما لم " مفعولة ب " علمكم " .
التاسعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء ، وحالة الخوف أولى بالدعاء ؛ فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه ، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض ، وحضر أو سفر ، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن ، لا تسقط عن المكلف بحال ، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال . وسيأتي بيان حكم المريض في آخر " آل عمران " {[2246]} إن شاء الله تعالى . والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها ، وبهذا تميزت عن سائر العبادات ، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص . قال ابن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى ، إن تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال ، وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال ، فيقتل تاركها ، أصله الشهادتان . وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في " براءة " {[2247]} إن شاء الله تعالى .
{ فإن خفتم }أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه { كتب عليكم } أو نحو ذلك{[11255]} من عدو أو سبع أو غريم {[11256]}يجوز الهرب{[11257]} منه أو غير ذلك { فرجالاً }{[11258]} أي قائمين على الأرجل ، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة . قال البغوي : أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف{[11259]} فصلوا مشاة على أرجلكم { أو ركباناً } أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن . وقال الحرالي : ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده{[11260]} حال{[11261]} ، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا{[11262]} في إقبال القلب بالكلية على الرب ، فما اتسع له الحال ما{[11263]} وراء ذلك فعل وإلا{[11264]} اكتفى بحقيقتها{[11265]} ، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة{[11266]} ، وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة ، وقد وضح{[11267]} باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها ، فقد صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة{[11268]} صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان{[11269]} - انتهى .
وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو{[11270]} ركباناً مستقبلي القبلة أو{[11271]} غير مستقبليها{[11272]} . قال مالك : قال نافع : لا{[11273]} أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي { فإذا أمنتم } أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم .
ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيراً إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبهاً بالاسم الأعظم على ما يؤكد{[11274]} الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكراً{[11275]} { فاذكروا الله } {[11276]}أي الذي له الأمر كله{[11277]} . قال البغوي : أي{[11278]} فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها . وقال الحرالي : أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى : فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه{[11279]} {[11280]}وصرحه{[11281]} في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {[11282]}وهو{[11283]} في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه وسلم{[11284]} : " إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن{[11285]} لا تتكلموا في الصلاة " وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك ، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة{[11286]} في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية .
والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه في النكاح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعاً ، فيكون ذلك في السنة الثانية من الهجرة . وقال الشافعي {[11287]}رضي الله تعالى عنه{[11288]} في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ والمنسوخ : أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري{[11289]} عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : " حُبسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى :
{ وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً{[11290]} }[ الأحزاب : 25 ] قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أقام العصر كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضاً ؛ وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف { فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً{[11291]} } [ البقرة : 239 ] " وقد روى الشيخان أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال : " إن في الصلاة شغلاً " لكنه ليس صريحاً في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق ، فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد سواء ، كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي ونقل عن اختيار{[11292]} الشيخ محيي الدين النواوي{[11293]} في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين ، وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف{[11294]} في التفريع على الحديث المذكور : فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفاً واحداً - هذا نصه في{[11295]} كتاب الرسالة .
ولما أمر{[11296]} سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله : { كما علمكم } أي لأجل إنعامه عليكم بأن خلق{[11297]} فيكم العلم المنقذ من الجهل ، فتكون الكاف للتعليل{[11298]} وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم { ما لم تكونوا تعلمون * } بما آتاكم على لسان هذا النبي الكريم {[11299]}من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها{[11300]} .
وقال الحرالي : من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم والحرمة ، وفي إشارته{[11301]} ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة{[11302]} هذه الأمة - انتهى .