الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ذلك من أنباء الغيب " أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب . " نوحيه إليك " فيه دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب ، وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك ، فذلك قوله تعالى : " نوحيه إليك " فرد الكناية إلى " ذلك " فلذلك ذكر . والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك . وأصله في اللغة إعلام في خفاء ؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا ، ومنه " وإذ أوحيت إلى الحواريين " {[3084]} [ المائدة : 111 ] وقوله : " وأوحى ربك إلى النحل " {[3085]} [ النحل : 68 ] وقيل : معنى " أوحيت إلى الحواريين " أمرتهم ، يقال : وحى وأوحى ، ورمى وأرمى ، بمعناه . قال العجاج :

أوحى لها القرار فاستقرتِ

أي أمر الأرض بالقرار . وفي الحديث : ( الوحي الوحي ) وهو السرعة ، والفعل منه : توحيت توحيا . قال ابن فارس : الوحي الإشارة والكتابة والرسالة ، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان . والوحي : السريع . والوَحَى : الصَّوْت ، ويقال : استوحيناهم أي استصرخناهم . قال :

أوحيت ميمونا لها{[3086]} والأزراق

الثانية : قوله تعالى : " وما كنت لديهم " أي وما كنت يا محمد لديهم ، أي بحضرتهم وعندهم . " إذ يلقون أقلامهم " جمع قلم ، من قلمه إذا قطعه . قيل : قداحهم وسهامهم . وقيل : أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة ، وهو أجود ؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال " ذلكم فسق " {[3087]} [ المائدة : 3 ] . إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها . " أيهم يكفل مريم " أي يحضنها ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، خالتها عندي . وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم . وقال بنو إسرائيل : نحن أحق بها ، بنت عالمنا . فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه ، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري ، فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فجرت الأقلام وعال قلم زكريا ) . وكانت آية له ؛ لأنه نبي تجري الآيات على يديه . وقيل غير هذا . و " أيهم يكفل مريم " ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام ، التقدير : ينظرون أيهم يكفل مريم . ولا يعمل الفعل في لفظ " أي " لأنها استفهام .

الثالثة : استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة ، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنَّة عمن يتولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة . ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه ، وردوا الأحاديث الواردة فيها ، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها . وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم ، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة . قال أبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن المنذر : واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، فلا معنى لقول من ردها . وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات ( باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل " إذ يلقون أقلامهم " ) وساق حديث النعمان بن بشير : ( مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن{[3088]} فيها مثل قوم استهموا على سفينة . . . ) الحديث . وسيأتي في " الأنفال " {[3089]} إن شاء الله تعالى ، وفي سورة " الزخرف " {[3090]} أيضا بحول الله سبحانه ، وحديث أم العلاء ، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين ، الحديث ، وحديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ، وذكر الحديث .

وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك ، فقال مرة : يقرع للحديث . وقال مرة : يسافر بأوفقهن له في السفر . وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف . واحتج أبو حنيفة بأن قال : إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز . قال ابن العربي : " وهذا ضعيف ؛ لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح{[3091]} ، فأما ما يخرجه التراضي فيه{[3092]} فباب آخر ، ولا يصح لأحد أن يقول : إن القرعة تجري مع موضع التراضي ، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي " وإنما تكون فيما يَتَشَاحّ الناس فيه ويُضَن به . وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها : أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل ويخرج ، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه .

الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر وكانت عنده خالتها ، وقال : ( إنما الخالة بمنزلة الأم ) وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة{[3093]} . وخرج أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي ، وإنما الخالة أم . فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها . وقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ) . وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة ، فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها .


[3084]:- راجع جـ6 ص 363.
[3085]:- راجع جـ10 ص 133.
[3086]:- في نسخة: د، لهم.
[3087]:- راجع جـ6 ص 60.
[3088]:- كذا في نسخ الأصل، وهو لفظ البخاري عن النعمان في "كتاب المظالم". وروايته. في "كتاب الشهادات": "...مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل..." والمدهن الذي يرائي.
[3089]:- راجع جـ7 ص 392.
[3090]:- راجع جـ16 ص 86.
[3091]:- تشاح الخصمان: أراد كل أن يكون هو الغالب.
[3092]:- زيادة عن أحكام القرآن لابن العربي.
[3093]:- راجع جـ3 ص 164.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

ولما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من{[17003]} غفلته ويستيقظ من رقدته ، لأنها منبهة بنفسها للمنصف{[17004]} الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالماً قط{[17005]} - صادقاً لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى ، وكان من حق من يتنبه{[17006]} أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان ، فلما {[17007]}لم يفعلوا{[17008]} التفت{[17009]} إلى {[17010]}تنبيه الغبي{[17011]} وتبكيت العتي{[17012]} فقال : { ذلك } أي الخطاب العلي المقام{[17013]} الصادق المرام البديع النظام { من أنباء الغيب نوحيه } أي نجدد إيحاءه{[17014]} في أمثاله { إليك } في كل حين ، فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوماً على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة{[17015]} ، و{[17016]}يجوز أن تكون الجملة حالاً تقديرها : { و } الحال{[17017]} أنك { ما{[17018]} كنت } ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر{[17019]} هو من أخفى العلم{[17020]} عبر فيه بلدي{[17021]} لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله :

{ هو من عند الله } وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيهاً على أنه مما يستغرب جداً حتى عند أهل الاصطفاء فقال : { لديهم } قال الحرالي : لدى{[17022]} هي عند {[17023]}حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به{[17024]} عنه - انتهى . { {[17025]}إذ يلقون{[17026]} } {[17027]}لأجل القرعة{[17028]} - { أقلامهم } قال الحرالي : جمع قلم ، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى{[17029]} { أيهم }{[17030]} أي يستهمون{[17031]} أيهم{[17032]} { يكفل مريم } أي يحضنها ويربيها تنافساً في أمرها{[17033]} لما شرفها الله تعالى به { وما كنت لديهم إذ } أي حين { يختصمون * } أي في ذلك حتى نقصّ{[17034]} مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد{[17035]} - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك ، {[17036]}أو أخذ ذلك عن{[17037]} أهل الكتاب ، أو بوحي{[17038]} منا ؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك{[17039]} إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك{[17040]} إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت ، لشهرتك بالنشأة أمياً{[17041]} مباعداً للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع{[17042]} ومعاناة{[17043]} الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة ، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا ، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذه القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي ، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيهاً على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على{[17044]} وفد نصارى نجران ، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب ، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب ،


[17003]:يد من ظ ومد.
[17004]:ي ظ: عن.
[17005]:ي ظ: للمصنف ـ كذا.
[17006]:ي ظ ومد: ينتبه.
[17007]:ي ظ: يفعلوا.
[17008]:في ظ: يفعلوا.
[17009]:ي ظ: أتنبه، وفي مد: الفت.
[17010]:ن مد، وفي الأصل: تنبه الفتى، وفي ظ: تنبيه العين.
[17011]:ن مد، وفي الأصل: تنبه الفتى، وفي ظ: تنبيه العين.
[17012]:من مد، وفي الأصل: الفتي، وفي ظ: العنى.
[17013]:ي ظ ومد: التام.
[17014]:ن مد، وفي الأصل: ابحاة، وفي ظ: إيجاده.
[17015]:ا بين الحاجزين زيد من ظ ومد.
[17016]:يد بعده في ظ: ما.
[17017]:ي ظ: والحد.
[17018]:ن مد، وفي الأصل: وما، وسقط من ظ.
[17019]:ن مد، وفي الأصل وظ: الشر.
[17020]:ي ظ: العلى.
[17021]:يد في الأصول: لأنها.
[17022]:ن ظ، وفي الأصل ومد: الذي.
[17023]:ن ظ ومد، وفي الأصل: عندي.
[17024]:قط من مد.
[17025]:ا بين الرقمين ـ مع "أقلامهم" الآتي ـ تقدم في الأصل على "قال الحرالي" السابق.
[17026]:ما بين الرقمين ـ مع "أقلامهم" الآتي ـ تقدم في الأصل على "قال الحرالي" السابق.
[17027]:قدم في الأصل على "و" الحال إنك "ما كنت".
[17028]:تقدم في الأصل على "و" الحال إنك "ما كنت".
[17029]:ا بين الحاجزين زيد من ظ ومد.
[17030]:قط من ظ.
[17031]:في الأصل مع "إذ يلقون أقلامهم" متأخر عن "لديهم"، وفي ظ فقط: يسهمون.
[17032]:يد من ظ و مد، غير أن في ظ عليه علامة الآية.
[17033]:من ظ ومد، وفي الأصل: أمره.
[17034]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تقصر.
[17035]:ي ظ ومد، الشديد ـ كذا بالشين المعجمة.
[17036]:يد في ظ: أي.
[17037]:ي ظ: على.
[17038]:ن ظ ومد، وفي الأصل: يوحى.
[17039]:ن مد، وفي الأصل: نسبك، وفي ظ: نسيك.
[17040]:ي ظ: نسيتك.
[17041]:ي ظ: أمنا.
[17042]:ن مد، وفي الأًصل و ظ: الشجع.
[17043]:ي مد: معناه.
[17044]:يد من مد.