الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَـٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (91)

قوله تعالى : " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم " معناها معنى الآية الأولى . قال قتادة : نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم . مجاهد : هي في قوم من أهل مكة . وقال السدي : نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين . وقال الحسن : هذا في قوم من المنافقين . وقيل : نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم فأظهروا الكفر .

قوله تعالى : " كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها " قرأ يحيى بن وثاب والأعمش " ردوا " بكسر الراء ؛ لأن الأصل " رددوا " فأدغم وقلبت الكسرة على الراء . " إلى الفتنة " أي الكفر " أركسوا فيها " . وقيل : أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم ، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم . ومعنى " أركسوا فيها " أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا{[4721]} . وقيل : أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه .


[4721]:كذا في الأصول. ولعل صحة العبارة: عهدهم الذي. وفي ج: الذين عاهدوكم. إلا أن يكون على لغة البدل من الواو.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَـٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (91)

ولما كان كأنه قيل : هل بقي من أقسام المنافقين شيء ؟ قيل : نعم ! { ستجدون } أي عن قرب بوعد لا شك فيه { آخرين } أي من المنافقين { يريدون أن يأمنوكم } أي فلا يحصل لكم منهم ضرر { ويأمنوا قومهم } كذلك{[22282]} ، لضعفهم عن كل منكم . فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم ، ولهم الكفر إذا لقوهم ، وهو معنى { كلما ردوا إلى الفتنة } أي الابتلاء{[22283]} بالخوف عند المخالطة { أركسوا } أي قلبوا منكوسين { فيها } .

ولما كان هؤلاء أعرق{[22284]} في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى ، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك ، لأنه أغلظ وهم أجدر{[22285]} من الأولين بالإغلاظ ، وطوى ما صرح به ، {[22286]}ثم قال{[22287]} : { فإن لم يعتزلوكم } ولما كان الاعتزال خضوعاً لا كبراً ، صرح به في قوله : { ويلقوا إليكم السلم } أي{[22288]} الانقياد . ولما كان الإلقاء{[22289]} لا بد له من قرائن يعرف بها قال : { ويكفوا أيديهم } أي عن قتالكم وأذاكم { فخذوهم } أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه { واقتلوهم } .

ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة ، وأخلاقهم في نهاية الدناءة ، أشار{[22290]} إلى الوعد بتيسير التمكين{[22291]} منهم فقال : { حيث ثقفتموهم } فإن معناه : صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم ، حاذقون في قتالهم ، فطنون{[22292]} به ، خفيفون فيه ، فإن الثقف : الحاذق الخفيف الفطن ، ولذلك{[22293]} أشار إليهم بأداة البعد فقال : { وأولئكم } أي البعداء عن منال{[22294]} الرحمة من النصر والنجاة وكل خير { جعلنا } أي بعظمتنا { لكم عليهم سلطاناً } أي تسلطاً { مبيناًَ * } أي ظاهراً قوته وتسلطه . وهذه الآيات منسوخة بآية براءة ، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك .


[22282]:في ظ: لذلك.
[22283]:في ظ: بالابتلاء.
[22284]:في ظ: أعرف.
[22285]:من مد، وفي الأصل وظ: أحذر.
[22286]:في ظ: فقال.
[22287]:في ظ: فقال.
[22288]:زيد من ظ ومد.
[22289]:سقط من ظ.
[22290]:من ظ ومد، وفي الأصل: إشارة.
[22291]:من ظ ومد، وفي الأصل: التمكن.
[22292]:من مد، وفي الأصل وظ: فظنون ـ كذا.
[22293]:في ظ: كذلك.
[22294]:من مد، وفي الأصل: وظ: مثال.