الأولى : قوله تعالى : " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " قال ابن عباس : لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها . ثم قال : " غير أولي الضرر " والضرر الزمانة . روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه فقال : ( اكتب ) فكتبت في كتف{[4815]} " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " إلى آخر الآية ؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله ، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي ، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( اقرأ يا زيد ) فقرأت " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " غير أولي الضرر " الآية كلها . قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف .
وفي البخاري عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول : " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " عن بدر والخارجون إلى بدر . قال العلماء : أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد . وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال - وقد قفل من بعض غزواته : ( إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ) . فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي ، فقيل : يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع ، وثوابه فضل لا استحقاق ، فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل . وقيل : يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة . والله أعلم .
قلت : والقول الأول أصح - إن شاء الله - للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالا ) ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام ( إنما الدنيا لأربعة نفر ) الحديث وقد تقدم في سورة " آل عمران " {[4816]} . ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر ( إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ) .
الثانية : وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع ؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء ، ويصرفون في الشدائد ، وتروعهم{[4817]} البعوث والأوامر ، كانوا أعظم من المتطوع ؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف{[4818]} الكبار ونحوها . قال ابن محيريز : أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون . قال مكحول : روعات البعوث تنفي روعات القيامة .
الثالثة : وتعلق بها أيضا من قال : إن الغنى أفضل من الفقر ؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال . وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه ، وما أبطر من الغنى مذموم ؛ فذهب قوم إلى تفضيل الغني ؛ لأن الغني مقتدر والفقير عاجز ، والقدرة أفضل من العجز .
قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة . وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر ؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس ، وترك الدنيا أفضل من ملابستها . قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة . وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين ، وليسلم من مذمة الحالين . قال الماوردي : وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن ( خير الأمور أوسطها ) . ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال :
ألا عائذا بالله من عدم الغنى *** ومن رغبة يوما إلى غير مرغب
الرابعة : قوله تعالى : " غير أولي الضرر " قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو " غير " بالرفع ؛ قال الأخفش : هو نعت للقاعدين ؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير ، والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر ، أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر . والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء ، قاله الزجاج . وقرأ أبو حيوة " غير " جعله نعتا للمؤمنين ، أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء . وقرأ أهل الحرمين " غير " بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين ، أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين . وإن شئت على الحال من القاعدين ؛ أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم ، وجازت الحال منهم ؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة ، وهو كما تقول : جاءني زيد غير مريض . وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب ، والله أعلم .
الخامسة : قوله تعالى : " فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة " وقد قال بعد هذا : " درجات منه ومغفرة ورحمة " فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد . وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات ، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما . وقيل : إن معنى درجة علو ، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ . فهذا معنى درجة ، ودرجات يعني في الجنة . قال ابن محيريز : سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة . و " درجات " بدل من أجر وتفسير له ، ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف ، أي فضلهم بدرجات ، ويجوز أن يكون توكيدا لقول " أجرا عظيما " لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة ، ويجوز الرفع ، أي ذلك درجات . و " أجرا " نصب ب " فضل " وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن ، ولا ينتصب ب " فضل " لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله : " المجاهدين " و " على القاعدين " ، وكذا " درجة " . فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) . " وكلا وعد الله الحسنى " " كلا " منصوب ب " وعد " و " الحسنى " الجنة ، أي وعد الله كلا الحسنى . ثم قيل : المراد ( بكل ) المجاهدون خاصة . وقيل : المجاهدون وأولو الضرر . والله أعلم .
ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد ، والتفتت إلى{ وحرض المؤمنين }[ النساء : 84 ] وإلى آية التحية ، فاشتد{[22385]} اعتناقها لهما ، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر ، فكان ربما فتر عنه ؛ بين فضله لمن كأنه قال : فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم ، بقوله : { لا يستوي القاعدون } أي عن الجهاد حال كونهم{[22386]} { من المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان ، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن{[22387]} المجاهد على المؤمن{[22388]} القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد .
ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم{[22389]} ، فقال واصفاً للقاعدين{[22390]} أو مستثنياً منهم : { غير أولي الضرر } أي{[22391]} المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه ، وبهذا بان أن{[22392]} الكلام في المهاجرين ؛
وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليّ{[22393]} فقال : يا رسول الله ! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى ؛ فأنزل الله عز وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سرى عنه فأنزل الله { غير أولي الضرر } " وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : " لما نزلت { لا يستوي القاعدون } - الآية ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ادع لي{[22394]} زيداً وليجىء باللوح{[22395]} والدواة والكتف{[22396]} ؛ ثم قال : اكتب - فذكره " وحديث زيد أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي ، وفي رواية أبي داود : قال : " كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ{[22397]} رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي{[22398]} ، فما وجدت شيئاً{[22399]} أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سرى عنه فقال لي{[22400]} : اكتب ، فكتبت في كتف { لا يستوي القاعدون } إلى آخرها ؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، فسرى{[22401]} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد ! فقرأت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { غير أولي الضرر } - الآية كلها ، قال زيد : أنزلها{[22402]} الله وحدها فألحقتها{[22403]} والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في{[22404]} كتف " ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه : " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه ، وفرغ{[22405]} سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل " .
ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله{[22406]} : { والمجاهدون في سبيل الله } أي دين الملك الأعظم الذي من{[22407]} سلكه وصل إلى رحمته { بأموالهم وأنفسهم } ولما كان نفي المساواة{[22408]} سبباً لترقب كل من الحزبين الأفضلية{[22409]} ، لأن القاعد وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله ، إذ يحيي الدين بالاشتغال{[22410]} بالعلم ونحوه ؛ قال متسأنفاً : { فضل الله } أي الذي له صفات الكمال { المجاهدين } ولما كان المال في أول الأمر ضيقاً قال مقدماً للمال : { بأموالهم وأنفسهم } أي جهاداً كائناً بالفعل { على القاعدين } أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة { درجة } أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم{[22411]} بغيرها ، و{[22412]}في البخاري{[22413]} في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر " .
ولما شرك{[22414]} بين المجاهدين والقاعدين بقوله : { وكلاً } أي من الصنفين { وعد الله } أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم { الحسنى } بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل ، وهو التمكن{[22415]} من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض{[22416]} الحرب وكونه بين أهل الإيمان ، وأما القاعد عن{[22417]} الهجرة مع التمكن{[22418]} فليس بمشارك في ذلك ، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه ، فقال : { وفضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه { المجاهدين } أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال { على القاعدين } أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن{[22419]} الهجرة { أجراً عظيماً * }