قوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور " أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق . " هدى " في موضع رفع بالابتداء " ونور " عطف عليه . " يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " قيل : المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبر عنه بلفظ الجمع . وقيل : كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة ، وأن اليهود قالت : إن الأنبياء كانوا يهودا . وقالت النصارى : كانوا نصارى ، فبين الله عز وجل كذبهم . ومعنى " أسلموا " صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان{[5622]} عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي ، ويقال : أربعة آلاف . ويقال : أكثر من ذلك ، كانوا يحكمون بما في التوراة . وقيل : معنى " أسلموا " خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به . وقيل : أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد . و " الذين أسلموا " ههنا نعت فيه معنى المدح مثل " بسم الله الرحمن الرحيم " . " هادوا " أي تابوا من الكفر . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار ، أي يحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره ، عن ابن عباس وغيره . وقد تقدم في آل عمران{[5623]} . وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار . قال ابن عباس : هم الفقهاء : والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم . قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء . والألف واللام للمبالغة . قال الجوهري : والحِبر والحَبر واحد أحبار اليهود ، وبالكسر أفصح ؛ لأنه يجمع على أفعال دون{[5624]} الفعول . قال الفراء : هو حِبر بالكسر يقال ذلك للعالم . وقال الثوري : سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا ؟ فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال : " واسأل القرية " {[5625]} [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية . قال : فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء ، إنما سمي حبرا لتأثيره ، يقال : على أسنانه حبر{[5626]} أي صفرة أو سواد . وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به . وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه . قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح ، والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر . والحبر أيضا الأثر والجمع حبور ، عن يعقوب .
" بما استحفظوا من كتاب الله " أي استودعوا من علمه . والباء متعلقة " الربانيين والأحبار " كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا . أو تكون متعلقة ب " يحكم " أي يحكمون بما استحفظوا . " وكانوا عليه شهداء " أي على الكتاب بأنه من عند الله . ابن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة . " فلا تخشوا الناس " أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار الرجم . " واخشون " أي في كتمان ذلك ؛ فالخطاب لعلماء اليهود . وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره . وتقدم معنى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " مستوفى{[5627]} .
قوله تعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " و " الظالمون " و " الفاسقون " نزلت كلها في الكفار ، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم . وعلى هذا المعظم ، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ، قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا . قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له ، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار . وقيل : أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ، قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء : منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : " للذين هادوا " ؛ فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ، ألا ترى أن بعده " وكتبنا عليهم " فهذا الضمير لليهود بإجماع ، وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص . فإن قال قائل : " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟ قيل له : " من " هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ، والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فهذا من أحسن ما قيل في هذا ، ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟ قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل . وقيل : " الكافرون " للمسلمين ، و " الظالمون " لليهود ، و " الفاسقون " للنصارى ؛ وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات . وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعب أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر{[5628]} ، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ، فهو تبديل له يوجب الكفر ، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . قال القشيري : ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر ، وعزي هذا إلى الحسن والسدي . وقال الحسن أيضا : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى ، وألا يخشوا الناس ويخشوه ، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا .
ولما تضمن هذا مدح التوراة ، صرح به فقال تأكيداً لذمهم في الإعراض عما دعت إليه من أصل وفرع ، وتحذيراً من مثل حالهم : { إنا أنزلنا } أي على ما لنا من العظمة { التوراة } ثم استأنف قوله معظماً لها : { فيها هدى } أي كلام يهدي بما يدعو إليه إلى{[25881]} طريق الجنة { ونور } أي بيان لا يدع لبساً ، ثم استأنف المدح للعاملين بها فقال : { يحكم بها النبيون } ووصفهم بأعلى الصفات وذلك الغنى المحض ، فقال مادحاً لا مقيداً : { الذين أسلموا } أي أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم اختيار أصلاً ، وفيه تعريض بأن اليهود بعداء من الإسلام وإلا لاتبعوا أنبياءهم فيه ، فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته .
ولما كان من المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها ، عُلِم{[25882]} أن التقدير : بما استحفظوا من كتاب الله ، فحذف لدلالة ما يأتي عليه وإشعار الإسلام به ، ثم بين المحكوم له تقييداً به إشارة إلى أنها ستنسخ فقال : { للذين هادوا } أي لمن التزم اليهودية { والرّبانيون } أي أهل الحقيقة ، منهم الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرب { والأحبار } أي العلماء الذي أسلموا { بما } أي بسبب ما .
ولما كان سبب إسلام أمرهم{[25883]} بالحفظ ، لا كونه من الله بلا واسطة ، بني للمفعول قوله{[25884]} : { استُحفظوا } أي{[25885]} الأنبياء ومن بعدهم { من كتاب الله } أي بسبب ما طلبوا{[25886]} منهم وأمروا به من الحفظ لكتاب{[25887]} الذي له جميع صفات الكمال الذي هو صفته ، فعظمته من عظمته ، وحفظه : دراسته والعمل بما فيه { وكانوا } أي وبما كانوا { عليه شهداء } أي رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً ، فالآية{[25888]} - كما ترى - من فن الاحتباك : ترك أولاً " بما استحفظوا " لدلالة ما ذكر هنا عليه ، وترك ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره أولاً عليه ، وإنما{[25889]} خص الأول بذكر الإسلام لأن الأنبياء أحق به ، وهو داع إلى الحفظ قطعاً ، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به ، وهو دال على الإسلام .
ولما كان هذا كله ذماً لليهود بما تركوا من كتابهم ، ومدحاً لمن{[25890]} راعاه{[25891]} منهم ، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف ، قال مخاطباً لهذه الأمة كلها طائعها وعاصيها ، محذراً لها من مثل حالهم ومرغباً في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان ، مسبباً عن ذلك : { فلا تخشوا الناس } أي في العمل بحكم من أحكام الله { واخشون } أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان ، فمن كان منكم{[25892]} مسلماً طائعاً فليزدد طاعة ، ومن لم يكن كذلك{[25893]} فليبادر بالانقياد والطاعة ، وهذا شامل لليهود وغيرهم .
ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيراً أتبعه الطمع فقال : { ولا تشتروا } ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن ، وكان المثمن{[25894]} أشرف من الثمن{[25895]} من حيث إنه المرغوب فيه ، جعل الآيات مثمناً وإن اقترنت{[25896]} بالباء ، حتى يفيد الكلام التعجب{[25897]} من الرغبة عنها ، وأنها لا يصح{[25898]} كونها ثمناً فقال : { بآياتي ثمناً قليلاً } أي من الرشى وغيرها لتبدلوها{[25899]} كما بدل أهل الكتاب .
ولما نهى عن الأمرين ، وكان ترك الحكم{[25900]} بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة ، رتب ختام الآيات على الكفر{[25901]} والظلم{[25902]} والفسق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : من جحد حكم الله كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق . فلما كان التقدير : فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون ، عطف عليه ما أفهمه من قوله : { ومن لم يحكم } أي{[25903]} يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار { بما أنزل الله } أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تديناً بالإعراض عنه ، أعم من أن يكون تركه له{[25904]} حكماً{[25905]} بغيره أو لا { فأولئك } أي البعداء من كل خير { هم الكافرون } أي المختصون بالعراقة في الكفر ، وهذه الآيات من قوله تعالى{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر{[25906]} }[ المائدة : 41 ] إلى هنا نزلت في الزنا ، ولكن لما كان السياق للمحاربة ، وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فساداً صرح به ، ولما كان الزنا محاربة ، خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجرّه في بعض الصور إلى المحاربة ، وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض ، وصاحبه غير متزيّ بزيّ المحاربين ، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه ، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : " إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً{[25907]} ، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده - الحديث . وفي آخره : ولولا أني{[25908]} أخشى أن يقول الناس : زاد في كتاب الله ، لأثبته في حاشية المصحف " وأصله في الصحيحين وغيرهما ، وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء رضي الله عنها بلفظ : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا{[25909]} من اللذة{[25910]} " وفي صحيح ابن حبان عن أبي ابن كعب رضي الله عنه أنه قال لزرّ بن حبيش : " كم تعدون سورة الأحزاب من آية{[25911]} ؟ قال : قلت : ثلاثاً وسبعين ، قال : والذي يحلف به ! كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة ، وكان فيها آية الرجم : الشيخ والشيخة " الحديث . وللشيخين : البخاري في مواضع ، ومسلم وأحمد وأبي داود -{[25912]} وهذا لفظه - والدارمي{[25913]} والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم{[25914]} عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال :
" إن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا{[25915]} له{[25916]} أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الزنا ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون - وفي رواية : فقال{[25917]} : لا تجدون في التوراة الرجم ؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئاً - فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه : كذبتم ، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، فأتوا بالتوراة ، فنشروها فجعل أحدهم - وفي رواية - مدراسها{[25918]} الذي يدرسها منهم - يده{[25919]} على آية الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفعها فقال : ما هذه ؟ فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد ! فيها آية الرجم ، {[25920]} فأمر بهما{[25921]} رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : فرأيت الرجل يحنأ{[25922]} على المرأة يقيها الحجارة " وفي لفظ للبخاري في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجدون في التوراة الرجم ؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئاً ، فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم ! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " وفي لفظ له في التوحيد - وهو رواية أحمد - أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال : " فأتوا{[25923]} بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " ولأبي داود عن ابن عمر أيضاً رضي الله عنهما قال : " أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف ، فأتاهم في بيت{[25924]} المدراس فقالوا{[25925]} : يا أبا القاسم ! إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم ، فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال : ائتوني{[25926]} بالتوراة ، فأتي بها فنزع الوسادة من تحته{[25927]} ووضع{[25928]} التوراة عليها ثم قال : آمنت بك وبمن أنزلك ، ثم قال : ائتوني بأعلمكم ، فأتي بفتى شاب " فذكر قصة الرجم نحو الذي قبله ، وسكت عليه أبو داود والحافظ المنذري في مختصره{[25929]} وسنده حسن ، ولمسلم وأبي داود{[25930]} - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه عن{[25931]} البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : " مر{[25932]} رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي{[25933]} محمم{[25934]} . فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني ؟ فقالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا{[25935]} تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال اللهم ! لا ، ولولا أنك نشدتني{[25936]} بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد وتركنا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم{[25937]} إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه{[25938]} ، فأمر به فرجم ، فأنزل الله عزّ وجلّ { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [ المائدة : 41 ] إلى قوله : { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا{[25939]} } [ المائدة : 41 ] إلى قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] في اليهود - إلى قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] في اليهود - إلى قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 47 ] قال : هي{[25940]} في الكفار كلها "
وروى الدارقطني في آخر{[25941]} النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال : " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي{[25942]} ويهودية قد زنيا ، فقال لليهود : ما يمنعكم أن تقيموا{[25943]} عليهما الحد ؟ فقالوا : كنا نفعل{[25944]} إذا كان الملك لنا{[25945]} ، فلما أن{[25946]} ذهب ملكنا{[25947]} {[25948]} فلا نجتري{[25949]} على الفعل ، فقال لهم : ائتوني بأعلم رجلين فيكم ، فأتوه بابني صوريا ، فقال لهما : أنتما{[25950]} أعلم من ورائكما{[25951]} ؟ قالا : يقولون ، قال : فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة ؟ فقالا{[25952]} : الرجل مع المرأة زنية{[25953]} وفيه عقوبة ، والرجل على بطن المرأة زنية{[25954]} وفيه عقوبة ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كما{[25955]} يدخل الميل في المكحلة رُجِم ، قال : ائتوني بالشهود فشهد{[25956]} أربعة ، فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم " - انتهى . وهذه الآية ملتفتة إلى آية { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } - الآية والتي بعدها أي التفات ، وذلك أن هؤلاء لما تركوا هذا الحكم ، جرَّهم إلى الكفر ، وليس في هذه الروايات - كما ترى - تقييد الرجم بالإحصان ، وكذا هو فما هو موجود عندهم في{[25957]} التوراة ، قال في السفر الثالث وغيره : ثم كلم الله موسى وقال له : قل لبني إسرائيل : أيُّ رجل من بني إسرائيل{[25958]} ومن الذين يقبلون إلى أيّ{[25959]} ويسكنون بين بني إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك الرجل فليرجمه{[25960]} جميع الشعب بالحجارة ، وأنا أيضاً أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه من شعبه ، لأنه ألقى زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي وأن ينجس اسم قدسي ، فإن غفل شعب الأرض{[25961]} عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل أنزل غضبي بذلك الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به ، لأنهم ضلوا بنساء غريبات لسن{[25962]} لهم بحلال ، ثم قال : الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل غريب يقتلان جميعاً ، والرجل الذي يرتكب ذكراً مثله فيرتكب منه ما يرتكب من النساء فقد ارتكبا{[25963]} نجاسة ، يقتلان ودمهما في أعناقهما ، والرجل الذي يتزوج امرأة وأمها فقد ارتكب خطيئة ، يحرق بالنار هو{[25964]} وهما ، والرجل الذي يرتكب من البهيمة ما يرتكب من النساء يقتل قتلاً ، والبهيمة ترجم أيضاً ، والمرأة التي ترقد{[25965]} بين يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعاً ، يقتلان ودمهما في أعناقهما ، والرجل الذي يأتي امرأة طامثاً ويكشف عورتها ، قد كشف عن ينبوعها وهي أيضاً كشفت عن ينبوع دمها ، يهلكان جميعاً من شعبهما{[25966]} ، وقال : والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف{[25967]} هذا عورة أبيه ، يقتلان جميعاً ودمهما في أعناقهما ، والرجل الذي يأتي كنّته{[25968]} يقتلان{[25969]} كلاهما ، لأنهما ارتكبا خطيئة ، ودمهما في أعناقهما ، والرجل الذي{[25970]} يتزوج أخته من أمه أو من أبيه ويرى عورتها وترى عورته ، هذا عار شديد ، يقتلان قدام شعبهم ، وذلك لأنه كشف عورة أخته ، يكون إثمهما في رؤوسهما ، لا تكشفن عورة عمتك ولا خالتك ! لأنهما قرابتك ، ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته{[25971]} ، والرجل الذي يأتي امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان{[25972]} ، والرجل الذي يتزوج امرأة أخيه قد ارتكب إثماً ، لأنه كشف عورة أخيه يموتان ، بل وصرح برجم البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكراً فادعى أنه وجدها ثيباً : فإن{[25973]} كان قذفه إياها حقاً ولم يجدها عذراء تخرج الجارية إلى بيت أبيها ، ويرجمها أهل القرية بالحجارة وتموت{[25974]} ، لأنها ارتكبت حوباً بين يدي{[25975]} بني إسرائيل وزنت في بيت أبيها ، نحوّا الشر عنكم ، وإن وجد رجل{[25976]} يسفح بامرأة رجل يقتلان{[25977]} كلاهما : الرجل والمرأة{[25978]} ، بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ما تقدم : وإن كان لرجل{[25979]} خطيبة بكر لم يبتن{[25980]} بها بعد ، فخرجت خارجاً فظفر بها رجل وقهرها وضاجعها ، يخرجان جميعاً ويرجمان حتى يموتا ، وإنما تقتل الجارية مع الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث{[25981]} - انتهى .
فالأحاديث المفيدة بالإحصان في هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة ، لأن رواتها ظنوا أن الجادة{[25982]} الإسلامية شرع لهم .