الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ} (53)

قوله تعالى : " ويقول الذين آمنوا " وقرأ أهل المدينة وأهل الشام : " يقول " بغير واو . وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : " ويقول " بالواو والنصب عطفا على " أن يأتي " عند أكثر النحويين . التقدير : فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول . وقيل : هو عطف على المعنى ؛ لأن معنى " عسى الله أن يأتي بالفتح " وعسى أن يأتي الله بالفتح ؛ إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو ؛ لأنه لا يصح المعنى إذا قلت وعسى زيد أن يقوم عمرو ، ولكن لو قلت : عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا . فإذا قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن ؛ لأنه يصير التقدير : عسى أن يأتي وعسى أن يقوم ، ويكون من باب قوله :

ورأيت زوجك في الوغى *** متقلدا سيفا ورمحا{[5704]}

وفيه قول ثالث : وهو أن تعطفه على الفتح ، كما قال الشاعر : *** للبس عباءة وتقرَّ عيني{[5705]}

ويجوز أن يجعل " أن يأتي " بدلا من اسم الله جل ذكره ، فيصير التقدير : عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا . وقرأ الكوفيون " ويقول الذين آمنوا " بالرفع على القطع من الأول . " أهؤلاء " إشارة إلى المنافقين . " أقسموا بالله " حلفوا واجتهدوا في الإيمان . " إنهم لمعكم " أي قالوا إنهم ، ويجوز " أنهم " نصب{[5706]} ب " أقسموا " أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهدا أيمانهم أنه يعينونكم على محمد . ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض ، أي هؤلاء الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك{[5707]} الله اليوم سترهم . " حبطت أعمالهم " بطلت بنفاقهم . " فأصبحوا خاسرين " أي خاسرين الثواب . وقيل : خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم .


[5704]:يروى هكذا في الأصول. وفي اللسان وشرح الشواهد لسيبويه: (يا ليت زوجك قد غدا).
[5705]:تمام البيت: (أحب إلي من لبس الشفوف).
[5706]:من ع و ك.
[5707]:في ج و ك و ع: انتهك سترهم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ} (53)

{ ويقول الذين آمنوا } من{[26434]} رفعه عطفه على{[26435]} معنى { نادمين{[26436]} } فإن أصله : يندمون ، ولكنه عبر بالاسم إعلاماً بدوام ندمهم بشارة بدوام الظهور لهذا الدين{[26437]} على كل دين ، أو على { يقولون نخشى } ، ومن أسقط الواو جعله حالاً ، ومن نصبه جاز أن يعطفه على " يصبحوا " أي يكون ذلك سبباً لتحقق المؤمنين أمر المنافقين بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم سروراً بهم والندم عند خذلانهم ومحقهم ، فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما من الله عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى المنافقين تنبيهاً وإنكاراً : { أهؤلاء } أي الحقيرون { الذين أقسموا بالله } أي وهو الملك الأعظم { جهد أيمانهم } أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته { إنهم لمعكم } أيها المؤمنون ! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق المنافقين{[26438]} حيث قاسموهم{[26439]} على النصرة ؛ ثم ابتدأ جواباً من بقية كلام المؤمنين أو من كلام الله لمن كأنه قال : فماذا يكون حالهم ؟ فقال : { حبطت } أي{[26440]} فسدت فسقطت { أعمالهم فأصبحوا } أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا { خاسرين } أي دائمي الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال ، وجنايتهم في الآخرة الوبال ، وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من البغتة{[26441]} بخلاف ما ينتظر ويؤمل .


[26434]:من ظ، وفي الأصل: عطف عليه.
[26435]:من ظ، وفي الأصل: عطف عليه.
[26436]:في ظ: النادمين.
[26437]:من ظ، وفي الأصل: الداعي.
[26438]:في ظ: بحيث سموهم- كذا.
[26439]:في ظ: بحيث سموهم- كذا.
[26440]:سقط من ظ.
[26441]:في ظ: البعث.