قوله تعالى : " ومنهم من يستمع إليك " أفرد{[6283]} على اللفظ يعني المشركين كفار مكة . " وجعلنا على قلوبهم أكنة " أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم . وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ، ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم . والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان ، والأعنة والعنان . كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه . وأكننت الشيء أخفيته . والكنانة معروفة{[6284]} . والكنة ( بفتح الكاف والنون ) امرأة أبيك ، ويقال : امرأة الابن أو الأخ ؛ لأنها في كنه . " أن يفقهوه " أي يفهموه وهو في موضع نصب ، المعنى كراهية أن يفهموه ، أو لئلا يفهموه{[6285]} . " وفي آذانهم وقرا " عطف عليه أي ثقلا ، يقال منه : وقرت أذنه ( بفتح الواو ) توقر وقرا أي صمت ، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين . وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ، يقال : اللهم قر أذنه . وحكى أبو زيد عن العرب : أذن موقورة على ما لم يسم فاعله ، فعلى هذا وقرت ( بضم الواو ) . وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا ) بكسر الواو ، أي جعل ، في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير ، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل ، والوقر الحمل ، يقال منه : نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير . ورجل ذو قرة إذا كان وقورا بفتح الواو ؛ ويقال منه : وقر الرجل ( بقضم القاف ) وقارا ، ووقر ( بفتح القاف ) أيضا .
قوله تعالى : " وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها " أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا : سحر ، فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة .
قوله تعالى : " حتى إذا جاؤوك يجادلونك " مجادلتهم قولهم : تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ، عن ابن عباس . " يقول الذين كفروا " يعني قريشا ، قال ابن عباس : قالوا للنضر بن الحرث : ] ما يقول محمد ؟ قال : أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر صاحب قصص وأسفار ، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان يحدثهم . وواحد الأساطير أسطار كأبيات{[6286]} وأباييت ، عن الزجاج . قال الأخفش : واحدها أسطورة كأحدوثة وأحاديث . أبو عبيدة : واحدها إسطارة . النحاس : واحدها أسطور مثل عثكول{[6287]} . ويقال : هو جمع أسطار ، وأسطار جمع سطر ؛ يقال : سطر وسطر . والسطر الشيء الممتد المؤلف كسطر الكتاب . القشيري : واحدها أسطير . وقيل : هو جمع لا واحد له كمذاكير وعباديد{[6288]} وأبابيل أي ما سطره الأولون في الكتب . قال الجوهري وغيره : الأساطير الأباطيل والترهات . قلت : أنشدني بعض أشياخي :
تطاول ليلي واعْتَرتني وَسَاوِسِي *** لآت أتَى بالتُّرَّهات الأباطيل
ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة ، وختم بأن مضمون قوله{ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم }[ الأنعام : 5 ] - الآية ، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع ، {[29233]} قسم الموسومين{[29234]} بما كانت تلك{[29235]} الآية سبباً له ، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله{ إلاّ كانوا عنها معرضين }[ الأنعام : 4 ] ، فكان كأنه قيل : فمنهم من أعرض بكليته ، فعطف عليه قوله : { ومنهم من يستمع إليك } أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن .
لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه ، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا : لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه ، وتعاهدوا على أن لا يعودوا ، ثم عادوا تمام ثلاث ليال ، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال : سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها ، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها ، فقال : وأنا كذلك ، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسداً وعناداً ، وذلك هو المراد من قوله : { وجعلنا } أي والحال أنا قد جعلنا { على قلوبهم أكنة } أي أغطية ، جمع كنان أي غطاء { أن } أي كراهة أن { يفقهوه } أي القرآن { وفي آذانهم وقراً } أي ثقلاً يمنع من سمعه حق السمع ، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع ، فهم لا يؤمنون بما يسمع{[29236]} منك لذلك{[29237]} .
ولما ذكر ما يتعلق بالسمع ، ذكر ما يظهر للعين ، معبراً بما يعم السمع وغيره من أسباب العلم فقال : { وإن يروا } أي بالبصر أو البصيرة { كل آية } أي من آياتنا سواه { لا يؤمنوا بها } لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء والأجداد { حتى } كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم { إذا جاءوك يجادلونك } أي بالفعل أو بالقوة ، والغاية داخلة ، وكأنه{[29238]} قيل تعجباً : ماذا يقولون في جدالهم ؟ فقال مظهراً للوصف الذي أداهم إلى ذلك : { يقول الذين كفروا } أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع { إن } أي ما { هذا } أي الذي وصل إلينا { إلا أساطير } جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضاً جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور ، وبالهاء في الكل { الأولين } وقد قال ذلك النضر بن الحارث ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.