قوله تعالى : " ومن أظلم " ابتداء وخبر ، أي لا أحد أظلم . " ممن افترى على الله كذبا " أي اختلق . " أو قال أوحي إلي " فزعم أنه نبي " ولم يوح إليه شيء " نزلت في رحمان اليمامة والأسود العبسي وسجاح زوج مسيلمة ، كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه . قال قتادة : بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة ، وقال ابن عباس . قلت : ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن يقول : وقع في خاطري كذا ، أو أخبرني قلبي بكذا ، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم ، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، ويقولون : هذه الأحكام الشرعية العامة ، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص ، فلا يحتاجون لتلك النصوص . وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون{[6563]} ؛ ويستدلون على هذا بالخضر ، وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وهذا القول زندقة وكفر ، يقتل قائله ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ، فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم . وسيأتي لهذا المعنى في " الكهف{[6564]} " مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " " من " في موضع خفض ، أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبدالله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون " : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين{[6565]} " [ المؤمنون :12 ] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " [ المؤمنون : 14 ] عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال : " تبارك الله أحسن الخالقين " [ المؤمنون : 14 ] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهكذا أنزلت على ) فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " رواه الكلبي عن ابن عباس . وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبدالله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : ( نعم ) . فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ) . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلى يا رسول الله ؟ فقال : ( إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين ){[6566]} . قال أبو عمر : وأسلم عبدالله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك . وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين . وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم . وغزا الصواري{[6567]} من أرض الروم سنة أربع وثلاثين ، فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، فمضى إلى عسقلان ، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه . وقيل : بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة . ودعا ربه فقال : اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح ، فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات{[6568]} ، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ، ثم سلم عن يمينه ، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه . ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره . ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما{[6569]} . وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية . وقيل : إنه توفي بإفريقية . والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين . وقيل : سنة ست وثلاثين . وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ؛ لأنه عارض القرآن فقال : والطاحنات طحنا . والعاجنات عجنا . فالخابزات خبزا . فاللاقمات لقما .
قوله تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " أي شدائده وسكراته . والغمرة الشدة ، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها . ومنه غمره{[6570]} الماء . ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره . ومنه غمرات الحرب . قال الجوهري : والغمرة الشدة ، والجمع غمر مثل نوبة ونوب . قال القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام :
وحَانَ لِتَالِكَ الغُمَرِ انحِسَارُ
وغمرات الموت شدائده . " والملائكة باسطو أيديهم " ابتداء وخبر . والأصل باسطون . قيل : بالعذاب ومطارق الحديد ؛ عن الحسن والضحاك . وقيل : لقبض أرواحهم ، وفي التنزيل : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم{[6571]} " [ الأنفال : 50 ] فجمعت هذه الآية القولين . يقال : بسط إليه يده بالمكروه . " أخرجوا أنفسكم " أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم ، وهو توبيخ . وقيل : أخرجوها كرها ؛ لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه ، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره . وقد أتينا عليه في كتاب " التذكرة " والحمد لله . وقيل : هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه : لأذيقنك العذاب ولأخر جن نفسك ؛ وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه . وقيل : يقال هذا للكفار وهم في النار . والجواب محذوف لعظم الأمر ، أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما . والهون والهوان سواء . " تستكبرون " أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته .
ولما كان في قولهم " ما أنزل الله على بشر من شيء " صريح{[30413]} الكذب وتضمن{[30414]} تكذيبه - وحاشاه صلى الله عليه وسلم ! أما من اليهود فبالفعل ، وأما من قريش فبالرضى ، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن ؛ قال تعالى مهولاً لأمر{[30415]} الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي ، عاطفاً على مقول " قل{[30416]} من أنزل " مبطلاً للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتاً لا مرية فيه ، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه : { ومن أظلم ممن افترى } أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش{[30417]} { على الله كذباً } أي أيّ كذب كان ، فضلاً عن إنكار الإنزال على البشر{[30418]} { أو قال أوحي إليّ ولم } أي والحال أنه لم { يوح إليه شيء } فهذا{[30419]} تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد{[30420]} ، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود{[30421]} العنسي وغيرهما ، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود للسموأل{[30422]} بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة ، ثم هداه الله للإسلام ، وكانت له يد طولى في الحساب{[30423]} والهندسة{[30424]} والطب وغير ذلك من العلوم ، فأظهر بعد إسلامه فضائحَهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات ، ثم قال بعد{[30425]} أن قسمهم إلى قرّائين وربانيين{[30426]} : إن الربانيين أكثرهم عدداً ، وقال : وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب ، قال : وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم { ومن قال سأنزل } أي بوعد{[30427]} لا خلف فيه{[30428]} { مثل ما أنزل الله } كالنضر بن الحارث ونحوه .
ولما كان الجواب قطعاُ في كل منصف : لا أحد{[30429]} أظلم منه ، بل هم أظلم الظالمين ، كان كأنه قيل : فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد{[30430]} وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم ، وجهنم{[30431]} تكاد تتميز عليهم غيظاً ، وهم قد هدّهم{[30432]} الندم والحسرة ، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمراً يهول منظره{[30433]} ، فكيف يكون مذاقه و{[30434]} مخبره{[30435]} ! فعطف عليه ما هو أقرب منه ، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزاً بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك : { ولو ترى } أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك { إذ الظالمون } أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه ! واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً { في غمرات الموت } أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم{[30436]} من يغرق{[30437]} فيه ، فهو يرفعه ويخفضه{[30438]} ويبتلعه ويلفظه ، لا بد له منه { والملائكة } أي الذين طلبوا جهلاً منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم ، وأخبرناهم أنهم{[30439]} لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور{[30440]} { باسطوا أيديهم } أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلّها وافية من أشباحهم كما يسل السفود{[30441]} المشعب{[30442]} من الحديد من الصوف{[30443]} المشتبك المبلول{[30444]} ، لا يعسر عليهم تمييزها من الجسد ، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه ، قائلين{[30445]} ترويعاً لهم وتصويراً للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم { أخرجوا أنفسكم } فكأنهم قالوا : لماذا يا رسل ربنا ؟ فقالوا : { اليوم } أي هذه الساعة ، وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب { تجزون عذاب الهون } أي العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له { بما كنتم تقولون } أي تجددون{[30446]} القول دائماً { على الله } أي الذي له جميع العظمة { غير الحق } أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات ، ولو قال بدله : باطلاً ، لم يؤد هذا المعنى ، ولو قال : الباطل ، لقصر عن المعنى أكثر ، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا ، وإذا نظرت إلى أن{[30447]} السياق لأصول الدين ازداد المراد وضوحاً { وكنتم } أي وبما كنتم { عن آياته تستكبرون * } أي تطلبون الكبر للمجاوزة عنها ، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبراً عن الكل ، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً فظيعاً{[30448]} وحالاً هائلاً شنيعاً ، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم .