الأولى - قوله تعالى : " ما لكم " " ما " حرف استفهام معناه التقرير والتوبيخ التقدير : أي شيء يمنعكم عن كذا كما تقول : مالك عن فلان معرضا . ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا على تتخلف من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام ، وسيأتي ذكرها في آخر السورة إن شاء الله . والنفر : هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث ، يقال في ابن آدم : نفر إلى الأم يفر نفورا . وقوم نفور ، ومنه قوله تعالى : " ولوا على أدبارهم نفورا{[7982]} " [ الإسراء : 46 ] . ويقال في الدابة : نفرت تنفر - بضم الفاء وكسرها - نفارا ونفورا . يقال : في الدابة نفار ، وهو اسم مثل الحران . ونفر الحاج من منى نفرا .
الثانية - قوله تعالى : " اثاقلتم إلى الأرض " قال المفسرون : معناه اثاقلتم إلى نعيم الأرض ، أو إلى الإقامة بالأرض . وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب على التقاعد عن المبادرة إلى الخروج ، وهو نحو من أخلد إلى الأرض . وأصله تثاقلتم ، أدغمت التاء في الثاء لقربها منها ، واحتاجت إلى ألف الوصل لتصل إلى النطق بالساكن ، ومثله " اداركوا{[7983]} " [ الأعراف : 38 ] و " ادارأتم{[7984]} " [ البقرة : 72 ] و " اطيرنا{[7985]} " [ النمل : 47 ] و " ازينت{[7986]} " [ يونس : 24 ] . وأنشد الكسائي :
تُولِي الضجيع إذا ما استافها خَصِراً*** عذب المذاق إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ{[7987]}
وقرأ الأعمش " تثاقلتم " على الأصل . حكاه المهدوي . وكانت تبوك - ودعا الناس إليها{[7988]} - في حرارة القيظ وطيب الثمار وبرد الظلال - كما جاء في الحديث الصحيح على ما يأتي - فاستولى على الناس الكسل فتقاعدوا وتثاقلوا فوبخهم الله بقوله هذا وعاب عليهم الإيثار للدنيا على الآخرة . ومعنى : " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " أي بدلا ، التقدير : أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة " فمن " تتضمن معنى البدل ، كقوله تعالى : " ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون{[7989]} " [ الزخرف : 60 ] أي بدلا منكم . وقال الشاعر{[7990]} :
فليت لنا من ماء زمزم شربة*** مُبَرَّدَةً باتت على طَهيان
ويروى من ماء حمنان{[7991]} . أراد : ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة مبردة . والطهيان : عود ينصب في ناحية الدار للهواء ، يعلق عليه الماء حتى يبرد . عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة ، إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا . قال صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد طافت راكبة : ( أجْرُك على قدر نَصَبِك ) . خرجه البخاري .
ولما أوعز{[36274]} سبحانه في أمر الجهاد ، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم الشهر{[36275]} الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه ، عاتبهم الله سبحانه على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن أمره سبحانه ، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع ، فقال تعالى على سبيل الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي{[36276]} يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [ لأن من لا هداية له أعمى ، والأعمى لا يخشى ]{[36277]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { ما لكم } أي ما الذي يحصل لكم في أنكم { إذا قيل لكم } أي من أيّ قائل كان { انفروا } أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات و{[36278]} وحداناً إمداداً لحزب الله ونصراً لدينه تصديقاً لدعواكم الإيمان ، والنفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك { في سبيل الله } أي بسبب{[36279]} تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع{[36280]} صفات الكمال ، وقال أبو حيان : بني " قيل " للمفعول والقائل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظاً ومخاشنة{[36281]} لهم وصوناً{[36282]} لذكره إذ أخلد إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى . { اثاقلتم } أي تثاقلتم تثاقلاً عظيماً ، وفيه ما لم يذكروا له سبباً ظاهراً بما أشار إليه الإدغام إخلاداً وميلاً { إلى الأرض } أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها ، فكنتم أرضيين{[36283]} في سفول الهمم ، لا سمائيين{[36284]} بطهارة الشيم .
ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقاً بها والإعراض عن الغنى الموعود به{[36285]} الذي ربما يلزم من{[36286]} الإعراض عنه{[36287]} التكذيب ، فيؤدي إلى خسارة الآخرة ، هذا مع ما يلزم على{[36288]} ذلك - ولا بد - من {[36289]}الزهد في{[36290]} الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس ؛ قال مبيناً خسة ما أخلدوا إليه تزهيداً فيه وشرف ما أعرضوا عنه ترغيباً منبهاً على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكراً{[36291]} على من تثاقل موبخاً لهم : { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي بالخفض والدعة في الدار{[36292]} الدنية الغارة { من الآخرة } أي الفاخرة الباقية ؛ قال أبو حيان{[36293]} : و " من " تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل ، وأصحابنا لا يثبتون {[36294]}أن من{[36295]} تكون للبدل - {[36296]}انتهى . والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل{[36297]} ، بل إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها فإنها لابتداء الغاية ، فإذا قلت : رضيت بكذا من زيد ، كان المعنى أنك أخذت ذلك أخذاً مبتدئاً منه غير ملتفت إلى ما عداه ، فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ .
ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع ، كان إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع الإعراض عنها ، فكأنه قيل : أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة ؟ ويؤيد ما فهمته أن العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في شرح الجزولية أنهم عدوا ل { من } خمسة معان{[36298]} كلها ترجع إلى ابتداء الغاية عند المحققين ، وبين كيفية ذلك حتى في البيانية ، فمعنى
{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان }{[36299]}[ الحج : 30 ] الذي ابتداؤه من الأوثان ، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها .
ولما كان الاستفهام إنكارياً كان معناه النهي ، فكان تقدير : لا ترضوا بها فإن ذلك أسفه رأي وأفسده ! فقال تعالى معللاً لهذا النهي : { فما } أي بسبب{[36300]} أنه ما { متاع الحياة الدنيا في{[36301]} } أي مغموراً في جنب { الآخرة إلا قليل* } والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك سفيهاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.