الأولى-قوله تعالى : " الذين أخرجوا من ديارهم " هذا أحد ما ظلموا به ، وإنما أخرجوا لقولهم : ربنا الله وحده . فقوله : " إلا أن يقولوا ربنا الله " استثناء منقطع ، أي لكن لقولهم ربنا الله ، قاله سيبويه . وقال الفراء : يجوز أن تكون في موضع خفض ، يقدرها مردودة على الباء ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج ، والمعنى عنده : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله ، أي أخرجوا بتوحيدهم ، أخرجهم أهل الأوثان . و " الذين أخرجوا " في موضع خفض بدلا من قوله : " للذين يقاتلون " .
الثانية-قال ابن العربي : قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء ، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام ؛ لإقامة حجة الله تعالى عليهم ، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " {[11538]} [ الإسراء : 15 ] . فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم ، فمنهم من فر إلى أرض الحبشة ، ومنهم من خرج إلى المدينة ، ومنهم من صبر على الأذى . فلما عتت قريش على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام ، وعذبوا من آمن به ووحده وعبده ، وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه ، أذن{[11539]} الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم ، وأنزل " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا - إلى قوله - الأمور " .
الثالثة-في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه ؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار ؛ لأن الكلام في معنى تقدير الذنب وإلزامه . وهذه الآية مثل قوله تعالى : " إذ أخرجه الذين كفروا " [ التوبة : 40 ] والكلام فيهما واحد ، وقد تقدم في " التوبة " {[11540]} والحمد لله .
الرابعة-قوله تعالى{[11541]} : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته{[11542]} أرباب الديانات من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة . فالجهاد أمر متقدم في الأمم ، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ، فكأنه قال : أذن في القتال ، فليقاتل المؤمنون . ثم قوي هذا الأمر في القتال بقوله : " ولولا دفع الله الناس " الآية ، أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة . فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه ؛ إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه . وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع ، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد .
" لهدمت " {[11543]} من هدمت البناء أي نقضته فانهدم . قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم . وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق ، كما تقدم . وقال مجاهد : لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول . وقالت فرقة : ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة . وقال أبو الدرداء : لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد ، وبمن يغزو عمن لا يغزو ، لأتاهم العذاب . وقالت فرقة : ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية ، وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه ، فتأمله .
الخامسة-قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم ، ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن ، ولا يزيدون في البنيان لا سعة ولا ارتفاعا ، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها ، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها . وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس . وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة ؛ لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة . ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لأن في ذلك إظهار أسباب الكفر . وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه ، وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
السادسة- قرئ " لهدمت " بتخفيف الدال وتشديدها .
قوله تعالى : " صوامع وبيع " جمع صومعة ، وزنها فوعلة ، وهي بناء مرتفع حديد الأعلى ، يقال : صمع الثريدة أي رفع رأسها وحدده . ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة . والأصمع من الرجال الحديد القول . وقيل : هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم . وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين - قال قتادة - ثم استعمل في مئذنة المسلمين . والبيع . جمع بيعة ، وهي كنيسة النصارى . وقال الطبري : قيل هي كنائس اليهود ، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك .
قوله تعالى : " وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " قال الزجاج والحسن : هي كنائس اليهود ، وهي بالعبرانية صلوتا . وقال أبو عبيدة : الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم ، تسمى صلوتا فعربت فقيل : صلوات . وفي " صلوات " تسع قراءات ذكرها ابن عطية : صلوات ، صُلْوات ، صَلْوات ، صِلْوات ، صُلُولى على وزن فُعُولى ، صُلُوب بالباء بواحدة جمع صليب ، صُلُوث بالثاء المثلثة على وزن فعول ، صُلُوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو ، صُلُوثا بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء المثلثة ، [ صِلْويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف ]{[11544]} . وذكر النحاس : وروي عن عاصم الجحدري أنه قرأ " وصلوب " . وروي عن الضحاك " وصَلُوث " بالثاء معجمة بثلاث ، ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها .
قلت : فعلى هذا تجيء هنا عشر قراءات . وقال ابن عباس : ( الصلوات الكنائس ) . أبو العالية : الصلوات مساجد الصابئين . ابن زيد : هي صلوات المسلمين تنقطع إذا دخل عليهم العدو وتهدم المساجد ، فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث تعطل ، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف . وعلى قول ابن عباس والزجاج وغيرهم يكون الهدم حقيقة . وقال الحسن : هدم الصلوات تركها ، قطرب : هي الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد . وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم . فالصوامع للرهبان ، والبيع للنصارى ، والصلوات لليهود ، والمساجد للمسلمين . قال ابن عطية : والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات . وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها ، إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب . ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي{[11545]} لها كتاب على قديم الدهر . ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك ؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته ، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع . وقال النحاس : " يذكر فيها اسم الله " الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون " يذكر فيها اسم الله " عائدا على المساجد لا على غيرها ؛ لأن الضمير يليها . ويجوز أن يعود على " صوامع " وما بعدها ، ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق .
السابعة-فإن قيل : لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين ؟ قيل : لأنها أقدم بناء . وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر ، كما أخر السابق في قوله : " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " {[11546]}[ فاطر : 32 ] .
الثامنة-قوله تعالى : " ولينصرن الله من ينصره " أي من ينصر دينه ونبيه . " إن الله لقوي " أي قادر . قال الخطابي : القوي يكون بمعنى القادر ، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه . " عزيز " أي جليل شريف ، قاله الزجاج . وقيل الممتنع الذي لا يرام ، وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .
{ الذين أخرجوا من ديارهم } : يعني الصحابة فإن الكفار آذوهم وأضروا بهم حتى اضطروهم إلى الخروج من مكة ، فمنهم من هاجر إلى أرض الحبشة ، ومنهم من هاجر إلى المدينة ونسب الإخراج إلى الكفار لأن الكلام في معرض إلزامهم الذنب ووصفهم بالظلم .
{ إلا أن يقولوا ربنا الله } قال ابن عطية هو استثناء منقطع لا يجوز فيه البدل عند سيبويه ، وقال الزمخشري أن يقولوا : في محل الجر على الإبدال من حق .
{ ولولا دفع الله الناس } الآية تقوية للإذن في القتال وإظهار للمصلحة التي فيه كأنه يقول : لولا القتال والجهاد لاستولى الكفار على المسلمين وذهب الدين ، وقيل : المعنى : لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة ، والأول أليق بسياق الآية ، وقرئ دفاع بالألف مصدر دافع ، وبغير ألف مصدر دفع .
{ لهدمت } قرئ بالتخفيف والتشديد للمبالغة .
{ صوامع } جمع صومعة بفتح الميم وهي موضع العبادة وكانت للصابئين ولرهبان النصارى ، ثم سمى بها في الإسلام موضع الأذان ، والبيع جمع بيعة بكسر الباء وهي كنائس النصارى والصلوات كنائس اليهود ، وقيل : هي مشتركة لكل أمة ، والمراد بها مواضع الصلوات ، والمساجد للمسلمين ، فالمعنى : لولا دفع الله لاستولى الكفار على أهل الملل المتقدمة في أزمانهم ، ولاستولى المشركون على هذه الأمة فهدموا مواضع عباداتهم .
{ يذكر فيها اسم الله } الضمير لجميع ما تقدم من المتعبدات ، وقيل : للمساجد خاصة . { ولينصرن الله من ينصره } أي : من ينصر دينه وأولياءه ، وهو وعد تضمن الحض على القتال .