الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (110)

قوله تعالى : " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك " هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال : اذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى كذا . قاله المهدوي . و " عيسى " يجوز أن يكون في موضع رفع على أن يكون " ابن مريم " نداء ثانيا ، ويجوز أن يكون في موضع نصب ؛ لأنه نداء منصوب كما قال{[6136]} :

يا حكم بن المنذر بن الجارود

ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلا عند الطوال{[6137]} .

قوله تعالى : " اذكر نعمتي عليك " إنما ذكر الله تعالى عيسى نعمته عليه وعلى والدته وإن كان لهما ذاكرا لأمرين : أحدهما : ليتلو على الأمم ما خصهما به من الكرامة ، وميزهما به من علو المنزلة . الثاني : ليؤكد به حجته ، ويرد به جاحده . ثم أخذ في تعديد{[6138]} نعمه فقال : " إذ أيدتك " يعني قويتك ، مأخوذ من الأيد وهو القوة ، وقد تقدم{[6139]} . وفي " روح القدس " وجهان : أحدهما : أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدم في قوله " وروح منه{[6140]} " [ النساء : 171 ] الثاني : أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح ، كما تقدم في " البقرة{[6141]} " . " تكلم الناس " يعني وتكلم الناس في المهد صبيا ، وفي الكهولة نبيا ، وقد تقدم ما في هذا في " آل عمران " {[6142]} فلا معنى لإعادته . " كففت " معناه دفعت وصرفت " بني إسرائيل عنك " حين هموا بقتلك " إذ جئتم بالبينات " أي الدلالات والمعجزات ، وهي المذكورة في الآية . " فقال الذين كفروا " يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك . " إن هذا " أي المعجزات . " إلا سحر مبين " . وقرأ حمزة والكسائي " ساحر " أي إن هذا الرجل إلا ساحر قوي على السحر .


[6136]:الرجز لرجل من بني الحرماز، يمدح به أحد بني المنذر بن الجارود العبدي و "حكم" هذا أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك. وسمي جده الجارود لأنه أغار على قوم فاكتسح أموالهم فشبه بالسيل الذي يجرد ما مر به. وتمامه: سرادق المجد عليك ممدود. (شواهد سيبويه).
[6137]:الطوال: هو محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي من أهل الكوفة أحد أصحاب الكسائي، قال ثعلب: وكان حاذقا بإلقاء العربية. توفي سنة 243. "بغية الوعاة".
[6138]:في ك: أخذ يعدد.
[6139]:راجع ج 2 ص 24.
[6140]:راجع ص 22 من هذا الجزء.
[6141]:راجع ج 2 ص 44.
[6142]:راجع ج 4 ص 90 و ص 97. وما بعدها.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (110)

{ إذ قال الله } يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع ، ويكون هذا القول يوم القيامة أو يكون العامل في إذ مضمرا ويحتمل على هذا أن يكون القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا جعلناه يوم القيامة فقوله قال : بمعنى يقول ، وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران .

{ فتنفخ فيها } الضمير المؤنث عائد على الكاف ، لأنها صفة للهيئة ، وكذلك الضمير في تكون ، وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران فينفخ فيه عائد على الكاف أيضا ، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت هو في الموضعين عائد على الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله :{ كهيئة } فتقديره في التأنيث صورة ، وفي التذكير شخصا أو خلقا وشبه ذلك ، وقيل : المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير ، والطين ، وهو بعيد في المعنى .

{ بإذني } كرره مع كل معجزة ردا على من نسب الربوبية إلى عيسى .

{ وإذ كففت بني إسرائيل عنك } يعني : اليهود حين هموا بقتله ، فرفعه الله إليه .