الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ} (124)

قوله تعالى : " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن " بين شيئا آخر من جهلهم ، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء ، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات ، ونظيره " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " {[6699]} [ المدثر : 52 ] . والكناية في " جاءتهم " ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم . قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ؛ لأني أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا . وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت الآية . وقيل : لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك . والأول أصح ؛ لأن الله تعالى قال : " الله أعلم حيث يجعل رسالته{[6700]} " [ الأنعام : 124 ] أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها . و " حيث " ليس ظرفا هنا ، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع ؛ أي الله أعلم أهل الرسالة . وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته ، ثم حذف الحرف ، ولا يجوز أن يعمل " أعلم " في " حيث " ويكون ظرفا ؛ لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم في هذا الموضع ، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى ، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه " أعلم " . وهي اسم كما ذكرنا . والصغار : الضيم والذل والهوان ، وكذلك الصغر ( بالضم ) . والمصدر الصغر ( بالتحريك ) . وأصله من الصغر دون الكبر ؛ فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل : أصله من الصغر وهو الرضا بالذل ، يقال منه : صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل . وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان ، صغرا وصغارا ، واسم الفاعل صاغر وصغير . والصاغر : الراضي بالضيم . والمصغوراء الصغار . وأرض مصغرة : نبتها{[6701]} لم يطل ، عن ابن السكيت . " عند الله " أي من عند الله ، فحذف . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار . الفراء : سيصيب الذين أجرموا صغار من الله . وقيل : المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله . قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال ؛ لأن " عند " في موضعها .


[6699]:راجع ج 19 ص 88.
[6700]:قراءة نافع.
[6701]:في اللسان: نبتها صغير لم يطل.
 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ} (124)

{ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) }

وإذا جاءت هؤلاء المشركين من أهل " مكة " حجة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال بعض كبرائهم : لن نصدِّق بنبوته حتى يعطينا الله من النبوة والمعجزات مثل ما أعطى رسله السابقين . فردَّ الله تعالى عليهم بقوله : الله أعلم حيث يجعل رسالته أي : بالذين هم أهل لحمل رسالته وتبليغها إلى الناس . سينال هؤلاء الطغاة الذل ، ولهم عذاب موجع في نار جهنم ؛ بسبب كيدهم للإسلام وأهله .