لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا} (51)

أكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون في الهيئات والطبائع بقوله : { مَّا أَشَهَدتُّهُمْ خَلْقْ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } : وبّيَّنَ أن ما يقولونه من إِيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصلَ له في التحقيق .

{ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً } : أي لم أجعل للذين يُضِلُّون الناسَ عن دينهم بِشُبَهِهِمْ في القول بالطبائع حجةً ، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهاناً .

ويقال إذا تقاصرت علومُ الخَلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومُهم بحقائق الصمدية ، واستحقاقِه لنعوته إلا بمقدار ما يخصُّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلاً ؟

ويقال أخبر أَنَّ علومَهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كُلِّ ما في الكون ، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك ؛ ولا حاجةَ بهم إلى الوقوفَ على ما قَصَرَتْ علومهُم عنه ، إذ لا يتعلَّق بذلك شيء من الأمور الدينية . فالإشارة في هذا أن يَصْرِفُوا عنايتَهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإنه لا بُدَّ لهم - بحكم الديانة - من التحقق بها ؛ إذ الواجبُ على العابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه في تفاصيل مسائل الصفات والأحكام .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا} (51)

قوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا } الضمير في ( أشهدتهم ) يعود على الشركاء وهم الآلهة المزيفة والأنداد المصطنعة التي عبدها هؤلاء المشركون من دون الله .

والمعنى : أن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم ليسوا إلا خلقا أمثالكم فلم أشركهم في الإلهية . ولو أشركتهم فيها لكانوا شركاء في خلق السماوات والأرض وكانوا مشاهدين خلق ذلك . لكنهم لم يشاهدوا خلق ذلك ولم يشاهدوا خلق أنفسهم ، فكيف تعبدونهم .

قوله : ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) العضد ، من المعاضدة وهي المعاونة والمناصرة . اعتضد به أي استعان{[2833]} .

أي لست مستعينا بالمخلوقين ، وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ . والمعنى : ما استعنت بشركائكم المضلين على خلق السماوات والأرض وما كنت متخذا لي منهم أعوانا ؛ فإني أنا الخالق القادر المنزه عن الشركاء والأعوان والأقران .


[2833]:- مختار الصحاح ص 438.