لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} (266)

هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق : لمن أنفق في سبيل الله ، ولمن أنفق ماله في الباطل ؛ فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف ، وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الردّ ، وفي المآل إلا التلف . وهؤلاء ظلَّ سعيهم مشكوراً ، وهؤلاء يدعون ثبوراً ويَصْلَوْنَ سعيراً . هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم ، وهؤلاء حَبِطَتْ أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وَبالهم .

ويقال مَثَلُ هؤلاء كالذي أنبت زرعاً فزكا أصله ونما فصله ، وعلا فَرْعُه وكثر نَفْعُه . ومَثَلُ هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت - على كبره - حيلته وتواترت من كل وجهٍ وفي كل وقت محنته . . . هل يستويان مثلاً ؟ هل يتقاربان شَبَها ؟

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} (266)

قوله تعالى : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) ذلك مثل يضربه الله للمنافقين والكافرين الذين يظنون أنهم يُحسنون صنعا بفعلهم الخيرات في حياتهم الدنيا . حتى إذا كان يومُ القيامة وجدوا أعمالهم بغير قيمة ، وأنها لا تغني عنهم من الله شيئا ، ووجدوا أنهم الأخسرون وأنهم يومئذ فرادى ضعفاء لا تنفعهم أموالهم ولا ذريتهم . ويومئذ يكون الخسران الأكبر والعاقبة المردية الوخيمة .

وقيل : إن الآية مثل ضربه الله لمن يحسن العمل في حياته ، حتى إنا أفضت به السنون إلى آخر العمل تحوّل مع الخاسرين فبُدلت حسناته سيئات وساء عمله وفسدت سيرته والعياذ بالله وسقط مع الخاسرين والظالمين ، ثم فارق الحياة على هذه الحال من الضلال والزيغ ، فذلك مثله كالذي يكون له بستان فيه خير الشجر من النخيل والأعناب ، تنساح من حوله الأنهار وفيه من الثمرات كل أصنافها ، حتى إذا أصابه الكبر وله أولاد صغار ضعفاء ، جاءتها ريح عاصف فيها نار فاحترقت ، فبات خاسرا لا يلوي على شيء ولا يملك من جنته غير الحسرة واللهف .

وقوله : ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) مثل هذه الأمثال يضربها الله للناس ؛ تقريبا لأذهانهم وليستطيعوا الوقوف على معاني الآيات ومقاصدها حتى تكون لهم من ذله عبرة ثم يتفكروا في عظمة الله وفي سلطانه وجلاله{[348]} .


[348]:- تفسير البيضاوي ص 60، 61 وتفسير النسفي جـ 1 ص 134، 135.