هذه قصة عائشة رضي الله عنها ، وما كان من حديث الإفك .
بَيَّنَ اللَّهُ - سبحانه - أنه لا يُخْلِي أحداً من المحنة والبلاء ، في المحبة والولاء ؛ فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه ، كذلك قال صلى الله عليه وسلم " يُمْتَحَنُ الرجلُ على قَدْرِ دينه " ، وقال : " أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " .
ويقال إن الله - سبحانه - غيورٌ على قلوب خواصِّ عباده ، فإذا حصلت مساكنةُ بعض إلى بعضٍ يُجْرِي الله ما يَرُدُّ كُلَّ واحدٍ منهم عن صاحبه ، ويردُّه إلى نفسه ، وأنشدوا :
إذا عَلِقَت روحي بشيءٍ ، تعلَّقَتْ *** به غِيَرُ الأيام كي تسْلُبَنِّيَا
وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قيل له : أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة " فساكنها .
وفي بعض الأخبار أن عائشة قالت : " يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك " . . . فأجرى اللهُ حديثَ الإفك حتى ردَّ قلبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها إلى الله ، وردَّ قلب عائشة عنه إلى الله ؛ حيث قال - لما ظَهَرَتْ براءةُ ساحتها : بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحنة ، وأزال الشكَّ ، وأظهر صِدْقَها وبراءة ساحتها .
ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّ المؤمن ينظر بنور الله " فإذا كانت الفراسةُ صفة المؤمن فأوْلى الناس بالفراسةِ كان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءةُ ساحتها ، حتى كان يقول : " إنْ فَعَلْتِ فتوبي " .
والسبب فيه أنه في أوقات البلاء يَسُدُّ اللَّهُ على أوليائه عيونَ الفراسةِ إكمالاً للبلاء . وكذلك إبراهيم - عليه السلام - لم يميِّز ولم يعرف الملائكة حيث قَدَّمَ إليها العِجْلَ الحنيذ ، وتوهمهم أضيافاً . ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة .
ويقال إنه كان - صلى الله عليه وسلم - يقول لعائشة : " يا حُمَيرَاء "
فلما كان زمان الإفك ، وأرسلها إلى بيت أبويها ، واستوحش الأبوان معها ، ومَرِضَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - من الحزن والوجد ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى واحداً من دار أبي بكر يقول :
" كيف بيتكم ؟ لا عائشة ولا حميراء فما كان يطيب بالتغافل عنها ، فتعبيره - إن لم يُفهَمْ بالتصريح - فيُفْقَهُ بالتلويح .
ثم إنه - سبحانه - قال : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امرئ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ } : فبمقدار جُرْمِهم احتمل كلُّ واحدٍ ما يخصُّه من الوِزْر .
قوله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ( 11 ) } .
هذه الآية وما بعدها من الآيات التسع نزلت كلها في شأن أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) وذلك لما رماها الأفاكون الكذابون بالفرية والبهتان . رماها المنافقون الماكرون الذين يتدسسون كعادتهم ، خلف كل أمة من كل زمان . إنهم يستخفون من أنظار الناس ليجيدوا في الظلام صنعة الخيانة والغدر والكيد للمسلمين ودينهم .
ذلك هو ديدن المنافقين الأنذال وهم يتلصصون مثل خفافيش الظلام ليجدوا من بين المسلمين فرجة ينفذون منها ليثيروا في أوساط المسلمين القلاقل والظنون والخلخلة والأوهام والفوضى ، وهم خلف الصفوف راقدون مستخفون يتسمعون- نتيجة لكيدهم وعذرهم- ما سوف يحيق بالمسلمين من الأرزاء والبلايا .
وذلكم رسول الله ( ص ) ، نبراس البشرية في الهدى والتقى والصلاح ، وحامل لواء الهداية والفضيلة والنور للعالمين ، وشفيع الخلائق في يوم الزحام ، يوم الفزع الأكبر- لم ينج ( ص ) من قالة الكذب والباطل ، يندلق من أفواه المنافقين الرعاديد وهم يفترون على زوجته الطاهرة المصون . الزوجة الكريمة المبرأة الفضلى ، إحدى خير نساء العالمين ، بكمال دينها وتقواها ، ورجاحة عقلها المميز الكبير ، وطهر محتدها الأصيل المفضال في كنف الأبوة الصديقة ، والنبوة الميمونة .
لقد افترى الظالمون والمنافقون والأغرار على أم المؤمنين بفاحش القول مما يثير في المؤمنين المتقين بالغ الغيرة والغضب ، وشديد الابتئاس والاشمئزاز كلما فطنوا القصة أو تلوها . وما يزيدهم مثل هذا الإفك والباطل إلا ثقة برسول الله ( ص ) ، ويقينا بحقيقة الإسلام وصدق رسالته ، وأنه الدين الحق الذي جيء به من عند الله ليكون رحمة للناس . ومن أجل ذلك كرهه المبطلون الأشرار من الكافرين والملحدين والمنافقين .
قوله : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) ( عصبة ) مرفوع على أنه خبر ( إن ) {[3231]} والعصبة من الرجال نحو العشرة . وقيل : من العشرة إلى الأربعين . والعصابة بالكسر : الجماعة من الناس{[3232]} والإفك : معناه الكذب . والأفاك ، الكذاب{[3233]} والمراد بالإفك هنا : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء . وهو القلب ؛ أي الحديث المقلوب ؛ فقد افترى الأفاكون على السيدة عائشة كذبا وقلبا للحقيقة . والمعروف من حال السيدة عائشة ، هذه المرأة الزكية المصون ، خلاف ما زعموه واصطنعوه من الباطل ؛ فهي زوجة الرسول ( ص ) ، وهو معصوم من كل سوء أو خطيئة أو دنس . والمراد بالعصبة ، الجماعة من القاذفين المبطلين وكانوا من المنافقين وأتباعهم . وكان طليعة هؤلاء في النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول . فقد كان رأسا من رؤوس النفاق في زمن النبوة وقد ركب رأسه وتولى كبره وهو يعيث بين الناس تشويشا وتوهيما وإشاعة للفتنة والريبة .
قوله : ( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) الضمير في ( تحسبوه ) عائد على من ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعائشة وصفوان ابن المعطل ( رضي الله عنهم ) والمراد بكون ذلك خيرا لا شرا أنهم اكتسبوا بما أصابهم ثوابا عظيما وذكرا حميدا إلى يوم الدين ؛ فقد أصابهم بلاء كبير ومحنة ظاهرة مما لمزهم به المنافقون من بهتان وفحش الكلام . فأنزل الله في شأنهم هذه القصة وفيها عدة آيات ، كل واحدة منها مستقلة بما فيه تعظيم لشأن رسول الله ( ص ) وتكريم له ولزوجه أم المؤمنين رضوان الله عليها وتنزيهه لها مما رماها به المنافقون وأتباعهم من الدنس . إلى غير ذلك من تهويل لمن تكلم في هذه القصة أو سمع بها فلم يألم ولم يغضب ولم تثره فيه ثائرة الحماسة والغيرة على أهل بيت رسول الله ( ص ) وزوجته الفاضلة الطهور . ثم صفوان بن المعطل الصحابي التقي الجليل الذي نالته ألسنة المتقولين بالسوء . وقد كان صفوان صاحب ساقة رسول الله ( ص ) في غزواته لشجاعته . وكان من خيار الصحابة ( رضي الله عنه ) وقد قتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر . وخلاصة القصة في أمر صفوان أنه لما خرج رسول الله ( ص ) بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة قافلا ، آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة حين أذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد من خرز قد انقطع فرجعت تلتمسه فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته ثم انصرفت فلم تجد أحدا . فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيرجع إليه فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون . وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . فنزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش في نحر الظهيرة . فوقع أهل الإفك فيما افتروه من باطل وبهتان . وكان أشدهم في ذلك وأنكاهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، كبير المنافقين في المدينة . فهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال فريته الظالمة : والله ما نجت منه ولا نجا منها . وكان من قالة السوء في قصة عائشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش .
فيا ويح هؤلاء أنى لهم أن يتقوّلوا على أقدس بيت في العالمين بالسوء من فُحش القول الأثيم ، وقد علموا رسولهم الأكرم عصمته وصونه في كرامته المثلى وشرفه المبجل الأجل . وليت شعري هل أظلت السماء كريما رفيعا بالغا في طهر السيرة وشرف البيت والحمى مثل رسول الله محمد ( ص ) .
قوله : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) لكل واحد من هؤلاء المفترين على عائشة من الجزاء بقدر ما خاض فيه أو اجترم .
قوله : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ( كبره ) بكسر الكاف ، ومعناه معظم الإثم والإفك . والمراد بذلك موضع خلاف . فقد قيل : إنه حسان بن ثابت ولعل العذاب العظيم الذي توعده الله به ذهاب بصره . وقيل : المراد عبد الله بن أبي سلول ؛ فهو الذي ابتدأ الإفك ، وكان يجمع القائلين بهذه الفرية في بيته ويحدثهم بمقالة الإفك . فقد أوعده الله جزاء إفكه عذابا عظيما وهي النار .
وقد اختلفوا هل حد النبي ( ص ) أصحاب الإفك ؟ ثمة قولان في ذلك . أحدهما : أنه لم يحدّ أحدا من أصحاب الإفك . وثانيهما : أنه حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش . والمشهور أن الذي حُدّ ، حسان ومسطح وحمنة . أما عبد الله فلم يحد ليلقى جزاءه في النار في مقابلة ما اجترم من الإفك . أما الذين حدهم فيكما يكون حدهم كفارة لهم عما اقترفوه من الإفك{[3234]} .