البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة ، فالمدر مع الحجر . وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل .
ويقال البيت مطاف النفوس ، والحق سبحانه مقصود القلوب !
البيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن :
تلك آثارنا تدلُّ علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويقال البيت حجر ، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر .
حَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج ، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج ، ولقلوب الآخرين منفج مزعج .
وهم على أصناف : بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم ، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم .
بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب ، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب ، كما قيل :
إن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها *** عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا
بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه ، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته .
ويقال قال سبحانه :{ وَطَهِّرْ بَيْتِىَ }[ الحج : 26 ] وأضافه إلى نفسه ، وقال ها هنا : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع .
وسميت ( بكة ) لازدحام الناس ، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه ، ويزدحمون في الطواف حواليْه ، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه .
والبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ ، ولم يستقبل أحداً بحظوة ، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة ، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له . قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه سبحانه : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري " .
ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات ؟ !
ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرَّكَ لأول حبيبٍ آثرك .
ويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له .
ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم ، فالأغنياء يزورون البيت ، ويطوفون بِقَدَمِهم ، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم .
ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر ، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر ، قال قائلهم :
لستُ من جملة المحبين إنْ لم *** أجعل القلبَ بيته والمقاما
وطوافي إجالة السِّر فيه *** وهو ركني إذا أردت استلاما
فاللطائف تطوف بقلوب العارفين ، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين ، والكعبة مقصود العبد بالحج ، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد .
قوله جلّ ذكره : { مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } .
بركاته اتصال الألطاف والكشوفات ، فَمَنْ قصده بهمته ، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه .
قوله جلّ ذكره : { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } .
ولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب ، ومقام إبراهيم - في الظاهر - ما تأثر بِقَدَمِه ، وفي الإشارة : ما وقف الخليل عليه السلام بهممه .
ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أَثَرُ الخليل ، ولأثر الخليل خطر عظيم .
قوله جلّ ذكره : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } .
يقال مَنْ دَخَلَ مقام إبراهيم كان آمناً ، ومقام إبراهيم التسليم ، ومن كان مسلماً أموره إلى الله لم يبق له اختيار ، وكان آمناً ؛ فالأمن ضده الخوف ، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد ، فإِذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأيُّ مساغٍ للخوف في وصفه ؟
ويقال إن الكناية بقوله : { دَخَلَهُ } راجعة إلى البيت ، فمن دخل بيته - على الحقيقة - كان آمناً ، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب ، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت ، فإنَّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارضٌ للتقدير . ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولاً على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم .
وإن جعلتَ الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبَه سلطان الحقيقة أَمِنَ مِنْ نوازع البشرية وهواجسِ غاغة النفس ، فإنَّ من التجأ إلى ظل المَلِكِ لم يمتطِ إليه محذوراً .
ويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك ، فإذا خرجت عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت ، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ .
ويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك ، فإن الشخص الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين ؛ فمن دخل بيت ربِّه فبالحريِّ أن يخرج عن معاهد نفسه .
قوله جلّ ذكره : { وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } .
شرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه ، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه .
ويقال الاستطاعة فنون ؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم ، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب ، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا .
ويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال ، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم ؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت ، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت .
ويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه : فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت ، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت ، فشتان بين حج وحج ، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم ، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم ، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام ، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام .
قوله جلّ ذكره : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ } .
ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت ، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل ، ثم قال : { فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ } وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص .
ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج ، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق ، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق ، وإذا طَهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء ، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة ، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله . فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام ، ولا تعرض لتخصيص ؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه ، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه ، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه ، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله ، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه ، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه ، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى ، وكلَّ شهوةٍ وهوى .
وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى .
وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية ، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه ، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة .
وإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت ، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت .
فإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية .
فإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له .
وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه ، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى .
فمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه ، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم : " الحاج أشعث أغبر " ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر .
قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان منا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين واليهود تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[523]} .
يخبر الله تعالى في ذلك أن أول بيت وضع لعموم الناس من أجل عبادتهم لهو الذي ببكة . وليس المراد أنه أول بيت وضع في الأرض ؛ لأنه كانت قبله بيوت كثيرة ، يدل على ذلك من الأخبار ما رواه أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " {[524]} .
وقام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : ألا تحدثني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا{[525]} .
إذا ثبت أن هذا البيت ( الكعبة ) أول بيت وضع للناس كيما يعبدوا الله فيه ، فإنه ينبغي القول أن هذا البيت خير بيوت العبادة في الأرض طُرّا ؛ وذلك لما يُحف به من الفضل والشرف وعلو المكانة . وذلك مستفاد من ظاهر الآية ( مباركا ) طيبا .
وقد دلل الإمام الرازي على ثبوت الأولية في الفضل والشرف للكعبة خاصة يجعلها تعلو في المنزلة على بيت المقدس . وذلك بجملة دلائل منها : أولا : اتفاق الأمم على أن باني البيت هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأن باني بيت المقدس هو سليمان عليه السلام . والخليل من حيث الدرجة أعظم من سليمان عليه السلام ، فهو ( الخليل ) أحد النبيين الخمسة أولى العزم المفضلين على سائر الأنبياء والمرسلين . فمن هذا الوجه لزم أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس .
ثانيا : خاصية الأمن التي تتجلى في مكة حيث البيت الحرام بما ليس لذلك نظير في سائر بقاع الدنيا . وعلى هذا فإن كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة ، لا جرم أن ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ حيث قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) وقال سبحانه فيما يتجلى في هذا البيت من أمن : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ولم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ لكن بيت المقدس قد هدمه الطاغية الشقي ، الكلداني بختنصر بالكلية .
ثالثا : لما قاد أبرهة الأشرم الجيوش والفيل متوجها صوب مكة لتخريب الكعبة وتدميرها وقد عجزت قريش عن مقاومة أولئك الطغاة المخربين ففارقت مكة لتظل الكعبة وحدها هدفا ميسورا لأبرهة وعساكره المفسدين فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميمهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغير ، لا جرم أن هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وهي إرهاص{[526]} لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم{[527]} .
قوله : ( الذين ببكة ) اللام تفيد التوكيد . وبكة المراد بها مكة ، أما اشتقاقها فهو موضع خلاف ، فقد قيل : من البك وهو التدافع والتزاحم . بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه . وتباك القوم إذا ازدحموا . وعلى هذا سميت مكة بكة ؛ لأنهم يتباكّون فيها أي يزدحمون في الطواف .
وقيل : البك معناه الدق . وسميت بكة ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة فلا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وقيل غير ذلك{[528]} .
قوله : ( مباركا ) منصوب على الحال ، من البركة وهي النماء والزيادة ، وقد جعل البيت الحرام مباركا لما يحصل لحاجه ومعتمره والعاكف عنده والطائف من حوله من الخير المضاعف الكثير ، لا جرم أن فعل الخيرات وأداء الطاعات في بيت الله الحرام يفوق في كثرته فعل الطاعات والخيرات فيما سواه من الأماكن الأخرى ، فضلا عما يسعد به العابد في تلكم الديار من تكفير للخطايا والذنوب واستجابة للدعوات يهتف بها القلب المؤمن ، وهو في رحاب الله حيث البيت المفضل العتيق .
قوله : ( وهدى للعالمين ) الهدى يعني الرشاد والدلالة . هداه هدى وهديا وهداية ، أي أرشده ودله . ومنه هداه الله الطريق{[529]} وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها .