لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} (19)

قوله جل ذكره : { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } .

كُنْ فانياً عن شواهدك ، مُصطَلَماً عن صَوْلَتِك ، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتِك ، مُنْتَشِقاً مما استولى عليك من كشوفات سِرِّك .

وانظر مَنْ الذي يسمع صوتَكَ حتى تستفيق من خمار غفلتك ؛ { إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } : في الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذنٍ من الحقِّ . وقالوا : إنه الصوفيُّ يتكلم قبل أوانه .

ويقال إنما ينهق الحمارُ عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكرَ الأصوات .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} (19)

قوله : { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } القصد في اللغة ، بين الإسراف والتقتير . { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أي أرْبعْ على نفسك{[3653]} والمراد بالقصد في المشي التوسط فيه ؛ ليكون ما بين الإسراع والبطء . وذلك من مكارم الأخلاق ومن صفات المؤمنين المتواضعين ؛ إذ يمشون في الأرض مشية الوقار والاعتدال بعيدا عن رعونة السرعة واختيال البطء .

قوله : { وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } غض الصوت خفضه{[3654]} والمراد عدم المبالغة في رفع الصوت والجهر به وإنما يجهر بصوته مقدار ما يحتاجه السامع .

قوله : { إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } ذلك مثل في ذم الأصوات العالية من غير حاجة أو فائدة ؛ فقد شبّه حديث المتصايحين الذين يتخاطبون بأعلى الأصوات بصوت الحمير ؛ وذلك لقبح صوت الحمير وبشاعته وهو نهيقه أو نُهاقُه . لا جرم أن نهيق الحمير قبيح ومنفر . وفي ذلك روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ومسلم قال : " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان ؛ فإنها رأت شيطانا " {[3655]} .


[3653]:مختار الصحاح ص 536.
[3654]:المصباح المنير ج 1 ص 102.
[3655]:تفسير القرطبي ج 14 ص 68-72، وفتح القدير ج 3 ص 238-239، وتفسير الرازي ج 25 ص 15، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 446.