لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (16)

والإشارة في قوله : { إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ } بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو أشد ؛ كأكْله مثلاً ما يُقِيم صُلْبَه ليقوى على السَّهر ، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش ، أو نفي مقاساة جوع أو بَرْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه ، ولاستدامة اتصال قلبه به ، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزم .

والإشارة في قوله : { أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ } إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة ، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته . ثم باستمداده من همم الشيوخ ؛ فإن المريدَ ربيب هُمَّةِ شيخه ، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هِمَمِهم ، يجبرون كَسْرَهم ، ويتوبون منهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم . ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه ، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله بسخطٍ ، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (16)

قوله تعالى : { ومن يولهم يومئذ دبره } ، ظهره .

قوله تعالى : { إلا متحرفاً لقتال } ، أي : منعطفاً يرى من نفسه الانهزام ، وقصده طلب الغرة ، وهو يريد الكرة .

قوله تعالى : { أو متحيزاً إلى فئة } ، أي : منضماً ، صائراً ، إلى جماعة من المؤمنين ، يريد العود إلى القتال ، ومعنى الآية : النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم ، إلا على نية التحرف للقتال ، والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القتال ، فمن ولى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد .

كما قال تعالى : { فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } ، اختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري : هذا في أهل بدر خاصة ، ما كان يجوز لهم الانهزام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم ، ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين ، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض ، فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، والضحاك . قال يزيد بن أبي حبيب : أوجب الله النار لمن فر يوم بدر ، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال : { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } [ آل عمران :155 ] ، ثم كان يوم حنين بعده فقال { ثم وليتم مدبرين } [ التوبة :25 ] { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } [ التوبة :27 ] . وقال عبد الله : كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحاص الناس حيصة فانهزمنا ، فقلنا : يا رسول الله نحن الفرارون ، قال : بل أنتم الكرارون ، أنا فئة المسلمين . وقال محمد بن سيرين : لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إليّ كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم . وقال بعضهم : حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزماً . جاء في الحديث : ( من الكبائر الفرار من الزحف ) . وقال عطاء بن أبي رباح : هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : { الآن خفف الله عنكم } [ الأنفال : 66 ] فليس لقوم أن يفروا من مثليهم ، فنسخت تلك إلا في هذه العدة ، وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو أن يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال ، أو متحيزا إلى فئة ، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم وينحازوا عنهم ، قال ابن عباس : من فر من ثلاثة فلم يفر ، ومن فر من اثنين فقد فر .