لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

الذي نَفَى عنهم من القتل ، هو إماتة الروح وإثبات الموت ، وهو من خصائص قدرته - سبحانه ، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم ، ويحصل ذهاب الروح عقيبه .

وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً ، فقال : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبتدئ هو الله عزَّ وجل . وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم .

قوله جلّ ذكره : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } .

أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا ، فكان منه ( صلوات الله عليه ) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب ، وكَسْبَهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته ، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً ، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو ، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه .

فقوله : { إِذْ رَمَيْتَ } فَرْقٌ ، وقوله : { وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } جمع . والفرق صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمعٍ وكلُّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة .

وإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم ، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم ، وذلك منه مكرٌ بهم .

قال الله تعالى :{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }[ الكهف : 104 ] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير ، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف ، وقهر الحكمْ . وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و ( ما ) لهم إحساس بذلك ، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير ، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع .

قوله جلّ ذكره : { وَلِيُبْلِىَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا } .

البلاء الاختبار ، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم ، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم ، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم .

" البلاء الحسن " : توفيق الشكر في المِنْحة ، وتحقيق الصبر في المحبة ، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه . وهذه حقيقة الحَسَن : وهو ما للفاعل أن يفعله .

ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و ( . . . ) البلاء لأنه فيه .

ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء .

ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة ، ولا شكوى إن كان محنة .

ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً ، ولا بطر إن كان يسراً .

ويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه ؛ فأصفاهم ولاءً ، قال عليه السلام : " أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل " .

قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .

تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم ؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله " سميعٌ " لأنينكم ؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا ، وَقْتَهم ، ويحمل عنهم ولاءهم ، وأنشدوا :

إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً *** تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا

وقالوا :

قُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس *** كيف أنت وكيف حالك ؟

وأمَّا الأكابر فلا يُؤْذَنُ لهم في التَّنَفُّس ، وتكون المطالبةُ متوجِّهةً عليهم بالصبر ، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى ، فيقول : لو ترشح منك ما كُلِّفْتَ بِشُرْبِه تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ ، فإِن لم يكن منك بيانٌ فإِنِّي لقالتك ، عليمٌ بحالتك .

ويقال في قوله " عليم " تسلية لأرباب البلاء ؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه سَهُل عليه ما يقاسيه فيه ، قال - سبحانه - لنبيَّه صلى الله عليه وسلم :

{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }[ الحجر : 97 ] .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ، قال مجاهد : سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول : أنا قتلت فلاناً ، ويقول الآخر مثله ، فنزلت الآية . ومعناه : فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ، ولكن الله قتلهم بنصرته إياكم ، وتقويته لكم . وقيل : لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة .

قوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، قال أهل التفسير والمغازي :

ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً ، ووردت عليهم روايا قريش ، وفيهم أسلم ، غلام أسود لبني الحجاج ، وأبو يسار ، غلام لبني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما : أين قريش ؟ قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، والكثيب : العقنقل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما : كم القوم ؟ قالا : كثير ، قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ، قال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوماً عشرة ويوماً تسعة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف ، ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه مكة قد ألقيت إليكم أفلاذ كبدها ، فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل ، وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي ، قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان تناول كفا من حصىً عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه ، وفمه ، ومنخريه ، منها شيء . فانهزموا ، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم . وقال قتادة ، وابن زيد : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات ، فرمى بحصاة في ميمنة القوم ، وبحصاة في ميسرة القوم ، وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه فانهزموا ، فذلك قوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفاً من الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء ، وقيل : معناه وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ ، وقيل : وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا .

قوله تعالى : { وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً } ، أي : ولينعم على المؤمنين منه نعمةً عظيمةً بالنصر والغنيمة .

قوله تعالى : { إن الله سميع } لدعائكم .

قوله تعالى : { عليم } بنياتكم .