إذا جاءت الأعذار سُهلَ الامتحانُ والاختيارُ ، وإذا حصلت القرابةُ سقطت الحشمة ، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية ؛ فبشهادة هذه الآية إذا انتفت هذه الشروط صَحَّتْ المباسطة في الارتفاق .
ثم قال : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } [ النور :61 ] وعزيزٌ منْ يصدُقُ في الصداقة ؛ فيكون في الباطن كما يُرَى في الظاهر ، ولا يكون في الوجه كالمرآه ومِنْ ورائِك كالمقْراض ، وفي معناه ما قلت :
مَنْ لي بمن يثق الفؤاد بودِّه *** فإذا تَرحَّلَ لم يزغ عن عهده
يا بؤس نفسي من أخ لي باذلٍ *** حسنَ الوفاء بوعده لا نَقْدِه
يُولِي الصفاءَ بنُطِقه لا خُلقه *** ويدسُّ صاباً في حلاوة شَهْده
فلسانُه يبدي جواهر عقده *** وجَنانه تغلي مراجلُ حقده
لا هُمَّ إني لا أطيق مِراسَه *** بك أستعيذ من الحسود وكيده
وقوله : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } [ النور :61 ] مَنْ تُؤْمَنُ منه هذه الخصال وأمثالها .
قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
السلامُ الأمانُ ، وسبيلُ المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلِّمَ مِنَ اللَّهِ على نَفْسِه ؛ أي يطلب الأمانَ والسلامةَ من الله لِتَسَلَم نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضاه الله ، إذ لا يحل لمُسلِم أَنْ يفْتُرَ لحظةً عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه - سبحانه - ظِلَّ عِصْمَتِه ؛ بإدامة حِفْظِه عن الاتصاف بمكروهٍ في الشرع .
الحرج : الضيق ، ومعناه هنا الإثم .
ما ملكتم مفاتحه : ما كان تحت تصرفكم .
الصديق : يطلق على الواحد والجمع .
في هذه الآيةِ الكريمة توجيهٌ للمؤمنين لتنظيم العلاقاتِ والمعاشرة والمخالطة بين الأقارب والأصدقاء ، فقد سمح الله للمؤمنين أن يأكلوا مع أصحابِ العاهات من عُمْيٍ وعُرجٍ ومرضى من هذه البيوت التي سمّاها ، يدخلونها مجتمعين أو متفرقين . وعليهم إن أرادوا دخولها أن يسلِّموا على أهلِها إن كانوا موجودين ، أو يسلِّموا على أنفسهم إن لم يكن في البيت أحد . وهذه التحية تحية مشروعة مباركة ، بها تطيبُ النفوس . وعلى هذا النحو يوضح الله لنا آياته لعلّنا نعقِلها ونتفهّم ما فيها من الأحكام والعظات لنعمل بها ، ونِعْمَ الأدب والمؤدب .
قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } الآية ، اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أنزل الله عز وجل قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } تحرج المسلمون من مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل . والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي الطعام ، فأنزل الله هذه الآية . وعلى هذا التأويل يكون على بمعنى في أي : ليس في الأعمى ، يعني : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض . وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم ، ويقول الأعمى : ربما آكل أكثر ، ويقول الأعرج : ربما أخذ مكان الاثنين ، فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون ذهب بنا إلى بيت غيره ، فأنزل الله هذه الآية . وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم . قال الحسن : نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد . قال : تم الكلام عند قوله : ( ولا على المريض حرج ) وقوله تعالى : { ولا على أنفسكم } كلام منقطع عما قبله . وقيل : لما نزل قوله : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فأنزل الله عز وجل { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم . قيل : أراد من أموال عيالكم وأزواجكم ، وبيت المرأة كبيت الزوج ، وقال ابن قتيبة : أراد من بيوت أولادكم ، نسب الأولاد إلى الآباء ، كما جاء في الحديث : " أنت ومالك لأبيك " { أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه } قال ابن عباس رضي الله عنهما : عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر . وقال الضحاك : يعني في بيوت عبيدكم ومماليككم ، وذلك أن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح الخزائن ، لقوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب } ويجوز أن يكون الذي يفتح به . قال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير . وقال السدي : الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم : أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم قال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم { أو صديقكم } الصديق الذي صدقك في المودة . قال ابن عباس : نزلت في الحارث بن عمرو رضي الله عنه ، خرج غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله ، فقال : تحرجت أن آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله هذه الآية . وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرج بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية . والمعنى : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ، من غير أن تتزودوا وتحملوا . قوله : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } { جميعاً أو أشتاتاً } نزلت في بني ليث بن بكر بن عمرو ، وهم حي من بني كنانة . كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضعيفاً يأكل معه ، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل ، هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج . وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه ، فيقول : والله إني لأجنح ، أي : أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير ، فنزلت هذه الآية . وقال عكرمة وأبو صالح : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا ، جميعاً أو أشتاتاً متفرقين . { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } أي : يسلم بعضكم على بعض ، هذا في دخول الرجل ببيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته ، وهو قول جابر وطاووس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار . وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه ، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . حدثنا أن الملائكة ترد عليه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام على أهل البيت ورحمة الله . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } قال : إذا دخلت المسجد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . { تحيةً من عند الله } نصب على المصدر ، أي : تحيون أنفسكم تحية ، { مباركة طيبةً } قال ابن عباس رضي الله عنهما : حسنة جميلة . وقيل : ذكر البركة والطيبة ها هنا لما فيه من الثواب والأجر . { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون* }