استوجبوا الذم بقوله - سبحانه : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } لأنهم آثروا العَرَض الأدنى ، وركنوا إلى عاجل الدنيا ، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا : { سَيُغْفَرُ لَنَا } .
ويقال من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة ، والاغترارُ بزمان المُهْلة ، وحَمْلُ تأخيرِ العقوبة على استحقاق الوصلة .
قوله جلّ ذكره : { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوه } .
أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى ، وإيثار متابعة الهوى .
قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ } .
استفهام في معنى التقرير ، أي أُمِروا ألا يَصِفُوا الحقَّ إلا بنعت الجلال ، واستحقاق صفات الكمال ، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأتِ منه خبر ، ولم يشهد بصحته برهانٌ ولا نظر .
قوله جلّ ذكره : { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .
يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان . يعني التعرضُ لنفحات فضله - سبحانه - خيرٌ لمن أَمَّلَ جودَه من مقاساة التعب ممن بَذَلَ - في تحصيل هواه - مجهودَه .
العرض بفتح الراء : متاع الدنيا وحطامها . الأدنى : الدنيا .
فجاء من بعد الّذين ذكرناهم خَلْفُ سوءٍ ورِثوا التوراةَ من أسلافهم ، لكنهم لم يعملوا بها ، ولم تتأثّر قلوبهم ولا سلوكهم ، وكلما رأَوا عَرَضاً من أعراض الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا : «سيُغفرُ لنا » ، فهم مصرون على الذنْب مع طلب المغفرة .
ثم وبَّخهم الله على طلبهم المغفرةَ مع إصرارهم على ما هم عليه فقال : إنّا أنفَذْنا عليهم العهد في التوراة - وقد درسوا ما فيها- أن يقولوا الحق ، فقالوا الباطل . . . . لم يعقِلوا بعدُ أن نعيم الدار الآخرة الدائم خير من متاع الدنيا الفاني ، فقل لهم يا محمد : من العجب أن تستمروا على عصيانكم ، أفلا تعقلون أن ذلك النعيم خير لكم ! ؟
وفي هذا إيماء إلى أن الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد على بني إسرائيل أمرهم .
وفيه عبرة للمسلمين الذي سرى إليهم كثير من الفساد ، وغلب عليهم حبُّ الدنيا وعرضها الزائل ، والقرآن الكريم بين أيديهم لكنهم لا يعملون به بل هم عنه غافلون .
فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد ، حتى خلف من بعدهم خلف . زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم ، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم ، وتبذل لهم الأموال ، ليفتوا ويحكموا ، بغير الحق ، وفشت فيهم الرشوة .
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة : سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة ، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة .
فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا ، وعزموا على أن لا يعودوا ، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر ، ورشوة أخرى - يأخذوه .
فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ، قال اللّه [ تعالى ] في الإنكار عليهم ، وبيان جراءتهم : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم ، وميلا مع مطامعهم .
و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال ، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين ، وكانوا في أمرهم مستبصرين ، وهذا أعظم للذنب ، وأشد للوم ، وأشنع للعقوبة ، وهذا من نقص عقولهم ، وسفاهة رأيهم ، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، ولهذا قال : وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم ، من المآكل التي تصاب ، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل اللّه ، وغير ذلك من أنواع المحرمات .
أَفَلا تَعْقِلُونَ أي : أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره ، وما ينبغي الإيثار عليه ، وما هو أولى بالسعي إليه ، والتقديم له على غيره . فخاصية العقل النظر للعواقب .
وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع ، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي ؟
قوله تعالى : { فخلف من بعدهم } ، أي : جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم .
قوله تعالى : { خلف } ، والخلف : القرن الذي يجيء بعد قرن ، قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء ، والخلف بفتح اللام : البدل ، سواء كان ولداً أو غريباً ، وقال ابن الأعرابي : الخلف بالفتح الصالح ، وبالجزم : الطالح ، وقال النضر بن شميل : الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد ، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير ، وقال محمد بن جرير : أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام ، وفي الذم بتسكينها ، وقد يحرك في الذم ، ويسكن في المدح .
قوله تعالى : { ورثوا الكتاب } ، أي : انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة .
قوله تعالى : { يأخذون عرض هذا الأدنى } ، فالعرض متاع الدنيا ، والعرض ، بسكون الراء ، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير . وأراد بالأدنى العالم ، وهو هذه الدار الفانية ، فهو تذكير الدنيا ، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها ، وخالفوا حكمها ، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته .
قوله تعالى : { ويقولون سيغفر لنا } ، ذنوبنا ، يتمنون على الله الأباطيل . أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا أبو طاهر ، محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني ، عن ضمرة بن جندب عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .
قوله تعالى : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا ، وإصرارهم على الذنوب ، يقول : إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ، حلالاً كان أو حراماً ، ويتمنون على الله المغفرة ، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه ، وقال السدي : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم ، فيقال له : ما لك ترتشي ؟ فيقول : سيغفر لي ، فيطعن عليه الآخر ، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضاً . يقول : وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه . قوله تعالى : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } أي : أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل ، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار .
قوله تعالى : { ودرسوا ما فيه } ، قرؤوا ما فيه ، فهم ذاكرون لذلك ، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة ، ودرس الكتاب : قراءته وتدبره مرةً بعد أخرى .
قوله تعالى : { والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .