لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (3)

اسمان مشتقان من الرحمة ، والرحمة صفة أزلية وهي إرادة النعمة وهما اسمان موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق .

وقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم في الإفادة ، وغير الحق سبحانه لا يسمى بالرحمن على الإطلاق ، والرحيم ينعت به غيره ، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن ، ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن ، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة ، أو نفس النعمة كما هي عند قوم فالنعم في أنفسها مختلفة ، ومراتبها متفاوتة فنعمة هي نعمة الأشباح والظواهر ، ونعمة هي نعمة الأرواح والسرائر .

وعلى طريقة من فرَّق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى ، والرحيم عام الاسم خاص المعنى ؛ فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم ، ولأنه الرحيم وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم ، فالرحمن بما روَّح ، والرحيم بما لوَّح ؛ فالترويح بالمَبَارِّ ، والتلويح بالأنوار : والرحمن بكشف تَجَلِّيه والرحيم بلطف تولِّيه ، والرحمن بما أولى من الإيمان والرحيم بما أسدى من العرفان ، والرحمن بما أعطى من العرفان والرحيم بما تولَّى من الغفران ، بل الرحمن بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يَمُنُّ به من الرضوان ، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان ، بل الرحمن بما يوفق ، والرحيم بما تحقق ، والتوفيق للمعاملات ، والتحقيق للمواصلات ، فالمعاملات للقاصدين ، والمواصلات للواجدين ، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما يدفع عنهم ؛ فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (3)

{ الرحمن الرحيم } : الرحمن صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة ، وقد تقدم أنه لا يوصف بها إلا الله : { الرحمن عَلَّمَ القرآن } [ الرحمن : 2 ] ، { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] . { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } [ الإسراء : 110 ] .

أما الرحيم ، فقد كثر استعمالها في القرآن وصفاً فعليا وجاءت بأسلوب إيصال النعمة والرحمة : { إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [ البقر : 143 ] { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [ الأعراف : 155 ] { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } [ الأحزاب : 43 ] . ولا نطيل أكثر من ذلك ، وإنما نريد أن نبين هنا نكتة إعادتهما وتكرارهما . فنأياً عن أن يُفهم من لفظة الرب صفة الجبروت والقهر أراد الله تعالى أن يذكِّر الخلق برحمته وإحسانه ، ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال . فذكَر «الرحمن » أي المفيض للنعم بسعة وتجدُّد لا منتهى لهما ، و«الرحيم » الثابتَ له وصف الرحمة ، لا تزايله أبدا . بذا عرّفهم أن ربوبيته رحمة وإحسان ، ليعلموا أن هذه الصفة هي الأصلية التي يرجع إليها معنى بقية الصفات فيتعلقوا به ويُقبلوا على اكتساب مرضاته .

هذا وإن تكرار وصف الله لنفسه بالرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب لهو تأكيد لمعنى أن الدين الذي كتابه القرآن إنما تقوم فضائله ونظُمه على الرحمة والحب والإحسان .

وإذا كان الحمد لله والثناء عليه مرجعهما وأساسهما التربية من الله للعالَم ، فما أجدر المؤمن أن يتخلق بخُلق الله ، وان يلتمس الحمد والثناء من هذا السبيل الكريم . فمن حمّله الله مسئولية التربية من إمام أو معلّم أو أحد الزوجين ، فإن عليه أن يعتبر ما كُلف برعايته أمانةً عنده من المربي الأعظم سبحانه ، فلْيمض فيها على سَنَن الرحمة والإحسان ، لا الجبروت والطغيان . إن ذلك أوفى إلى أن يُصلح الله به ، وأقربُ أن تناله رحمته .