يعني طريق من أنعمتَ عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم ، وهم الأولياء والأصفياء . ويقال طريق من ( أفنيتهم ) عنهم ، وأقمتهم بك لك ، حتى لم يقفوا في الطريق ، ولم تصدهم عنك خفايا المكر . ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم .
ويقال صراط من ( طهرتهم ) عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك .
ويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان ، ومغاليط النفوس ومخاييل الظنون ، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر ( ية ) .
ويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك ، والتبري من الحول والقوة ، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار ، والعلم بتوحيدك فيما تُمضيه من المَسَار والمضار .
ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة ، واستشعار نعت الهيبة .
ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند غلبات ( بواده ) الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم ، ولم يُخِلُّوا بشيء من أحكام الشريعة . ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموسُ معارفهم أنوارَ ورعهم ولم يُضيِّعُوا شيئاً من أحكام الشرع .
ويقال صراط الذين أنعمتَ عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة .
قوله جل ذكره : { غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } .
المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان ، وأدركتهم مصائب الحرمان ، وركبتهم سطوة الرد ، وغلبتهم بَوَاده الصد والطرد .
ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان ، وأصابهم سوء الخسران ، فشغلوا في الحال باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق ( شقاء ) ؛ إذ يحسبون أنهم على شيء ، وللحق في شقائهم سر .
ويقال هم الذين أنِسُوا بنفحات التقريب زماناً ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم شانا ؛ بُدِّلوا بالوصول بعاداً ، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مراداً ، أولئك الذين ضلّ سعيُهم ، وخاب ظنهم .
ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق ، والتعامي عن رؤية التأييد . ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار ، وجريان التصاريف والأقدار .
ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة ، وتقصيرهم في أداء شروط الطاعة .
ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة ، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان .
فصل : ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين ، والتأمين سُنَّة ، ومعناه يا رب افعل واستجب ، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال ، والتحقيق للآمال ، وتحط رِجْلُه بساحات الافتقار ، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال ، ويتوسل ( بتبريه ) عن الحول والطاقة والمُنَّة والاستطاعة إلى حضرة الجود . وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة .
وقد بين الله تعالى هذا الصراط المستقيم بقوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضالين } .
اختلف المفسرون في بيان : الذين أنعم اللهُ عليهم ، والمغضوبِ عليهم ، والضالِّين وكتبوا وطوّلوا في ذلك . وأحسن ما قيل في ذلك أن الآية دلّت على أن الناس ثلاث فرق :
الفرقة الأولى : أهل الطاعة { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة : 2-6 ] ، وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم .
الفرقة الثانية : الكافرون : { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [ البقرة : 6-7 ] ، وهؤلاء هم أهل النقمة المغضوب عليهم .
الفرقة الثالثة : هم المنافقون الحائرون ، المترددون بين إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطني { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً } [ البقرة : 10 ] فهم { . . وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [ البقرة : 14 ] . وهؤلاء هم الضالّون المتحيرون .
وقد فصّل الله تعالى هذه الفرق الثلاثة في أول سورة البقرة كما سيأتي إن شاء الله .
قرأ ابنُ كَثير برواية قنبل ، والكسائي عن طريق رويس «السراط » بالسين في الموضعَين ، وقرأ الباقون «الصراط » بالصاد ، وهي لغة قريش .
هذه هي سورة الفاتحة ، وقد تكفّل نصفُها الأول ببيان الحقيقة التي هي أساس هذا الوجود : تقرير ربوبية الله للعالمين ، ورحمته ، ورحمانيته ، وتفرُّده بالسلطان يوم الدين .
وتكفّل نصفها الثاني ببيان أساس الخطة العملية في الحياة ، سواء في العبادات ، أو المعاملات .
فالعبادة لله ، والاستعانة به ، والهداية منه بالتزام طريق الله ، والبعد عن طريق الجاحدين والضالين المتَحَدِّين .
هذا والمتتبع للقرآن جميعه ، الواقف على مقاصده ، ومعارفه ، يرى أنه جاء تفصيلاً لما أجملته هذه السورة الكريمة .
بهذا كانت «فاتحة الكتاب » ، و«أمَّ القرآن » ، و«السبع المثاني » ، والسورة الوحيدة التي طُلبت من المؤمنين في كل ركعة من كل صلاة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.