الاسم المشتق من السمو والسمة ، فسبيل من يذكر هذا الاسم أن يتسم بظاهره بأنواع المجاهدات ، ويسمو بهمته إلى محال المشاهدات ، فمن عدم سمة المعاملات على ظاهرة ، وفقد سمو الهمة للمواصلات بسرائره لم يجد لطائف الذكر عند قالته ، ولا كرائم القرب في صفاء حالته .
فصل : معنى الله : الذي له الإلهية ، والإلهية استحقاق نعوت الجلال . فمعنى باسم الله : باسم من تفرد بالقوة والقدرة ، الرحمن الرحيم من توحد في ابتداء الفضل والنصرة . فسماع الإلهية يوجب الهيبة والاصطلام ، وسماع الرحمة يوجب القربة والإكرام . وكل من لاطفه الحق سبحانه عند سماع هذه الآية رده بين صحو ومحو ، وبقاء وفناء ، فإذا كاشفه بنعت الإلهية أشهده جلاله ، فحاله محو . وإذا كاشفه بنعت الرحمة أشهده جماله فحاله صحو :
هذه الحروف المقطعة في أوائل السورة من المتشابِه الذي لا يعلم تأويله إلا الله - عند قوم ، ويقولون لكل كتاب سر ، وسر الله في القرآن هذه الحروف المقطعة . وعند قوم إنها مفاتح أسمائه ، فالألف من اسم ( الله ) ، واللام يدل على اسمه " اللطيف " ، والميم يدل على اسمه " المجيد " و " الملك " .
وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه .
وقيل الألف تدل على اسم " الله " واللام تدل على اسم " جبريل " والميم تدل على اسم " محمد " صلى الله عليه وسلم ، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم .
والألِف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة ، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه ، واستغنائه عن الجميع .
ويقال يتذكر العبد المخلص مِنْ حالة الألف تَقَدُّسَ الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان ؛ فإن سائر الحروف لها محل من الحَلقْ أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته ، لا تضاف إلى محل .
ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا يتصل بحرف ، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه .
ويقال يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى ، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في ( مَراعاة ) حقه ، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه .
ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة ، والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف ، فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرَّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حَظِي بالرتبة العليا ، وفاز بالدرجة القصوى ، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة ، على سنة الأحباب في ستر الحال ، وإخفاء الأمر على الأجنبي من القصة - قال شاعرهم :
قلت لها قفي قالت قاف *** . . .
لا تحسبي أَنَّا نسبنا لا يخاف *** . . .
ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل : " قالت قاف " .
ويقال تكثر العبارات للعموم والرموز والإشارات للخصوص ، أَسْمَعَ موسى كلامَه في ألف موطن ، وقال لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم : أَلِفْ . . . وقال عليه السلام : " أوتيتُ جوامْع الكلِم فاختُصِرَ لي الكلامُ اختصاراً " وقال بعضهم : قال لي مولاي : ما هذا الدنَف ؟ قلت : تهواني ؟ قال : لام ألف .
سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة ، عدد آياتها مئتان وست وثمانون .
من أوائل ما نزل بعد الهجرة ، وهي أطول سورة في القرآن ، إذ استغرقت جزئين ونصف جزء ، وبلغ عدد آياتها ستا وثمانين ومائتي آية .
وقد سميت بهذا الإسم لأنها انفردت بذكر حادثة قتل وقعت في بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام ، وكان للبقرة فيها شأن عجيب .
وقد ابتدأت هذه السورة بتفصيل ما انتهت إليه سورة الفاتحة ، فذكرت أن القرآن هو مصدر الهدى ، ذلك الكتاب لا ريب فيه . وبينت بالتفصيل من هم الذين أنعم الله عليهم بالرضا ، والآخرين الذين غضب الله عليهم من الكفار والمنافقين .
وقد تحدثت السورة عن صدق القرآن ، وأن دعوته حق لا ريب فيها .
وبعد أن بيّنت أصناف الناس الثلاثة : المؤمنين ، والكافرين ، والمنافقين- تحدثت عن الدعوة إلى عبادة الله وحده ، وعن إنذار الكافرين وتبشير المؤمنين . ثم إنها خصت بني إسرائيل بالدعوة والمراجعة ، وذكّرتهم بأيام الله وبحوادثهم مع موسى ، وبإبراهيم وإسماعيل وبنائهما الكعبة . وقد استغرق ذلك نحو نصف السورة ، لكنه تخلله حديث موجه إلى المؤمنين للاعتبار بما حدث لليهود والنصارى .
ثم انتقل الحديث إلى خطاب المسلمين بذكر ما هو مشترك بينهم وبين قوم موسى من فضل إبراهيم وهدايته ونسبه . بعد ذلك جاء الحديث عن القِبلة وتحويلها عن القدس ، واحتجاج أهل الكتاب على ذلك والرد عليهم ، كما جاء ذكر التوحيد والتذكير بآيات الله الدالة عليه ، ثم ذكر الشرك والمحرّم من الطعام على أساس أن التحرم والتحليل من حق الله وحده .
كذلك تعرضت سورة البقرة لبيان أصول البر بتفصيل عظيم ، وبينت بعض التشريع ، مع أحكام الصيام ، والوصية ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والقتال والقتل ، والقصاص ، والحج ، والخمر والميسر ، والنكاح ، والطلاق ، والرضاع ، والعِدة ، وغيرها . كما تعرضت للحديث عن العقائد العامة كالرسالة ، والتوحيد ، والبعث ، وتحدثت عن الإنفاق ، والربا ، والتجارة ، وكتابة الدّين . ثم خُتمت السورة بدعاء من المؤمنين لربهم .
هذا مجمل لمحتوى السورة ، يمكن اعتباره تلخيصا وتعدادا .
من هذا نرى أن سورة البقرة من أجمع السور ، فقد احتوت على أصول العقيدة ، وعلى كثير من أدلة التوحيد ، كما ذكرت مبدأ خلق الإنسان ، ثم وجهت عنايتها إلى أمرين اقتضت الإفاضة فيهما حالة المسلمين عقب هجرتهم من مكة إلى المدينة . . .
أحدهما : أن المسلمين تركّزوا جماعة مستقلة في المدينة ، حيث بنى النبي مسجده لأداء الصلوات المفروضة ، وليكون بمثابة ندوة جامعة لهم ، فهو مدرستهم ومحكمتهم ودار شوارهم . وذلك بعد أن آخى النبي بين المهاجرين والأنصار ، وصاروا جبهة مؤمنة واحدة تحتاج إلى تشريع تنظم به شئونها .
وثانيهما : أن هجرتهم جعلت لهم جوارا في المدينة غير جوارهم في مكة ، فهم الآن جيران اليهود بعد أن كانوا جيران المشركين من العرب .
بهذين الأمرين نجد أن السورة تهدف إلى غرضين رئيسَين غير ما سبق .
الأول : توجيه الدعوة إلى الجيران الجدد ومناقشتهم فيما كانوا يثيرونه حول رسالة محمد من تشكيك وشُبه .
والثاني : التشريع الذي اقتضته صيرورة المسلمين جماعة متميزة عن غيرها في عبادتها ومعاملاتها .
وقد تضمنت هذه السورة عدة قواعد منها :
أن اتّباع سبيل الله وإقامة دينه هما الموجبان للسعادة في الدنيا والآخرة ، وأنه لا يليق بعاقل أن يدعو إلى البر والفضيلة وينسى نفسه ، بل يجب إيثار الخير على الشر في كل حال . وأن أصول الدين ثلاثة وهي : الإيمان بالله ورسوله ، والإيمان بالبعث ، والعمل الصالح .
أما الجزاء فهو على الإيمان والعمل معا .
وأما شرط الإيمان فهو الإذعان النفسي والتسليم بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
أما الولاية العامة الشرعية فيجب أن تكون لأهل الإيمان والعدل وحدهم . ويستعان على تحقيق الأمور الجليلة بالصبر والصلاة ، وبهما تنتصرُ القلة على الكثرة .
وبصدد ما أحله الله لعباده وما حرمه ، فقد أحل لهم الطيبات من المطعم ، وحرّم أشياء خبيثة محدودة . ومع ذلك فإن المحرّمات تباح للمضطر ، لأن الضرورات تبيح المحظورات ، وتقدّر بقدْرها . فالدين مبني على اليسر ورفع الحرج ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .
أما الإكراه في الدين فهو ممنوع ، فيما القتال مشروع للدفاع ، ولتأمين حرية الدين ، وسيادة الإسلام في مجتمعه .
وأن للمسلم أن يطلب حظه من الدنيا ، كما يؤدي واجبه نحو الآخرة . وأن سدّ الذرائع وتقرير المصالح من مقاصد الشريعة . والإنسان في الإسلام مجزي بعمله لا بعمل غيره ، فإذا كان في الأديان دين يجتبي القبيلة بنسبها أو المرء بمولده في أمة معينة ، أو يحاسبه على خطيئته يزعم توارثها ، فليس في الإسلام إنسان ينجو بالميلاد أو يهلك بالميلاد ، ولكنه الدين الذي ترتبط فيه النجاة والهلاك بسعي المرء وعمله ، { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } النجم : 39 .
بدئت سورة البقرة بهذه الحروف الثلاثة ، وهي تُقرأ حروفاً مفرّقة ، لا لفظة واحدة ، وفي القرآن عدة سور بدئت بحروف على هذا النحو ، منها : البقرة ، وآل عمران مدنيّتان ، والباقي سور مكيّة .
وقد جاءت بدايات هذه السوَر على أنواع : منها ما هو حرف واحد ، مثل : «ص . والقرآنِ ذي الذِكر » ، «ق . والقرآن المجيد » ، «ن . والقلمِ وما يسطُرون » ، ومنها ما هو حرفان ، مثل : «طه ما أنزلنا عليكَ القرآن لتشقى » ، «يس والقرآنِ الحكيم » ، «حم تنزيلُ الكتاب من اللهِ العزيزِ الحكيم » ، ومنها ما هو ثلاثة أحرف أو أكثر ، مثل : «ألم » ، «المص » ، «كهيعص » ، و «حم عسق » الخ .
وهذه الحروف أربعة عشر حرفاً ، جمعها بعضهم في عبارة «نصٌّ حكيم قاطع له سر » .
والعلماء في تفسير معنى هذه الحروف فريقان :
فريق يرى أنها مما استأثر الله بعلمه . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم المراد منها ، فالله أعلم بمراده .
وفريق يقول : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما ليس مفهوماً للخلْق . وهؤلاء اختلفوا في تفسير هذه الحروف اختلافاً كثيرا . فبعضهم يقول إنها أسماء للسور التي بدئت بها ، وبعضهم يعتبرها رموزاً لبعض أسماء الله تعالى أو صفاته ، فالألف مثلاً إشارة إلى أنه تعالى «أحد ، أول ، آخر ، أبدي ، أزلي » ، واللام مثلا إشارة إلى أنه «لطيف » ، والميم إلى أنه «ملك ، مجيد ، منان » الخ . .
أما الرأي الأشهر الذي اختاره المحققون فهو أنها حروف أنزلت للتنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف ، وفي متناول المخاطَبين به من العرب ، فهو يتحداهم أن يصوغوا من تلك الحروف مثله ، وهم أمراء الكلام ، واللغةُ لغتهم هم .
من هذه الحروف يصوغ البشر كلاما وشعرا ، ومنها يجعل الله قرآنا معجزاً ، فما أعظم الفرق بين صنع البشر وصنع الله !