لا تكون عمارةُ المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية ، فالعابد يُعَمِّرها بتخريب أوطان شهوته ، والزاهدُ يعمرها بتخريب أوطان مُنْيته ، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته ، والموَحِّدُ يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومُسَاكتِه . وكلُّ واحدٍ منهم واقفٌ في صفته ؛ فلصاحب كلِّ موقفٍ منهم وصفٌ مخصوص .
وكذلك رَتْبتهُم في الإيمان مختلفة ؛ فإيمانٌ من حيث البرهان ، وإيمان من حيث البيان ، وإيمان من حيث العيان ، وشتان ما هم ! قال قائلهم :
لا تعْرِضَنَّ بِذِكْرِنا في ذِكْرِهِم *** ليس الصحيح - إذا مشى – كالمُقْعَدِ
مساجد الله : أي : أماكن عبادته .
18 – { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ . . . } الآية .
أي : إنما يستحق عمارة المساجد ، وتستقيم منه العمارة ويكون أهلا لها من آمن بالله وحده معبودا ، على النحو المبين في القرآن الكريم ، وآمن باليوم الآخر موعدا ومصيرا ، وحسابا وجزاء ، وأدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها ، وأعطى الزكاة بأنواعها ومقاديرها ، لمستحقيها المعروفين ، كالفقراء ، والمساكين ، وأبناء السبيل ، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده ، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة ، وإنما النفع والضر بيد الله ، هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ، هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد ، الحسية بالبناء والتشييد والترميم ، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم ، دون من أشرك بالله ، وكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد فيشركون بالله ، ويسجدون للأصنام ، ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام .
{ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .
وهو تذييل قصد به حسن عاقبة المؤمنين الصادقين ، أي : فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة ، وما أعد فيها من خير عميم ورزق كبير .
والتعبير بعسى هنا ، مقصود به قطع أطماع الكافرين ، أي : إذا كان هؤلاء المؤمنون – وهم من هم – يدور أمرهم بين لعل وعسى ، فكيف يقطع المشركون – وهم بين المخازي والقبائح – أنهم مهتدون20 .
وقد ذكر العلماء : أن كلمة عسى إذا جاءت من الله تعالى ؛ فهي بمعنى : وجب واستحق كما قال تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) .
أما معنى عسى في النحو : فهو الترجي .
عسى فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر
" وفي التعبير بعسى قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم ، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء " .
ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتي :
1 – أعمال البر الصادرة عن المشركين كإطعام الطعام ، وإكرام الضيف . . . إلخ . لا وزن لها عند الله ؛ لاقترانها بالكفر والإشراك به سبحانه .
وذهب الشيخ محمد عبده . وتلميذه السيد رشيد رضا ، إلى موقف آخر ، حيث رجحوا أن يجازيهم الله تعالى على هذه الأعمال في الآخرة .
واستشهدوا بعدل الله القائل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
وقوله عز شأنه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .
2 – إن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون فإنهم لا يصح منهم ذلك ؛ بسبب كفرهم ونجاستهم .
" والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد ، والقيام بأعمال لا ولاية فيها كنحت الحجارة والبناء والنجارة ، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية .
ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته ، بشرط ألا يتخذ أداة للضرر ، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار . . . . 21 .
جاء في حاشية الجمل على الجلالين :
" لا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله بدخولها والقعود فيها ، فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم ؛ عزر وإن دخل بإذنه ؛ لم يعزر ، لكن لا بد من حاجة ، فيشترط للجواز الإذن والحاجة " 22 .
ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار ، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر23 .
ونجاسة الكافر نجاسة معنوية ، فإذا دخل المسجد لغرض من الأغراض ، وأخذ إذنا من الجهات المختصة ؛ جاز ذلك .
2 – يؤخذ من الآيتين التنويه بشأن المساجد والتعبد فيها ، وإصلاحها ، وخدمتها ، وتنظيفها ، والسعي إليها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض الذي بنيت لأجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، منها ما يأتي :
1 – روى الشيخان والترمذي : عن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله ؛ بنى الله له بيتا في الجنة " 24 .
2 – وروى الشيخان والحافظ أبو بكر البزار ، وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما عمار المساجد هم أهل الله " 25 .
3 – وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردوية : عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد ؛ فاشهدوا له بالإيمان ، قال الله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم والآخر }26 .
4 – وروى الشيخان : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح – أي : سار قبل الزوال أو بعده لعبادة الله في المسجد - ؛ أعد الله له منزلا –أي : مكانا طيبا في الجنة - ؛ كلما غدا أو راح " 27 .
قوله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } ولم يخف في الدين غير الله ، ولم يترك أمر الله لخشية غيره .
قوله تعالى : { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ، وعسى من الله واجب ، أي : فأولئك هم المهتدون ، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل التي تؤدي إلى الجنة .
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي ، ثنا محمد بن الحسين الحيري ، ثنا محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن الفرج الحجازي ، ثنا بقية ، ثنا أبو الحجاج المهدي ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله قال : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، ثنا علي بن عبد الله ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا محمد بن مطرف ، عن يزيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، ثنا حميد بن زنجويه ، ثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، حدثني أبي عن محمود بن لبيد ، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك ، وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة " .
وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أنا محمد بن الحسين القطان ، ثنا علي بن الحسين الداربجردى ، ثنا أبو عاصم بهذا الإسناد ، وقال : بنى الله له بينا في الجنة " .
قوله : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي إنما يعمر مساجد الله برمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وكسوها بالحصير والفرش وبتكريمها وتعظيمها وارتيادها للذكر والعبادة –من كان مصدقا بوحدانية الله مخلصا العبادة والطاعة ، مصدقا بيوم الدين ، مقيما للصلاة المكتوبة على وجهها الصحيح بتمام أركانها وشروطها وواجباتها ومندوباتها ، مؤديا زكاة ماله إلى المستحقين . وهو أيضا لا يخشى أحدا كخشية من الله ؛ فخشية الله في قلب المؤمن تفوق كل خشية مما سواها { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي فخليق بأولئك الذين سبقت صفتهم أن يكونوا ممن هداهم الله للحق وبلوغ الصواب{[1739]} .
روي الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) .
وقال الإمام أحمد أيضا بإسناده عن معاد بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية ، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة ، والعامة ، والمسجد ) ؛ وقال عليه الصلاة والسلم : ( من أسرج في مسجد سراجا ؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه ) .