في حرف تبعيض ؛ لأن المُلك- بالكمال - لله وحده .
ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان : مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية ، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة .
ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق ، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق .
قوله : { وعلمتني مِن تَأْويِلِ الأَحَادِيثِ } : التأويل للخواص ، وتفسير التنزيل للعوام . قوله جلّ ذكره : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِّىِ في الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ توفني مُسْلِماً وألحقني بِالصَّالِحِينَ } .
{ فَاطرَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } - هذا ثناء ، وقوله : { توفني } - هذا دعاء .
فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء ، كذلك صفة أهل الولاء .
ثم قال : { أَنتَ وَلِىِّ في الدنيا والآخرة } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار .
ويقال معناه : الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ ، فليس لي غيرك في الدارين .
قوله : { توفني مُسْلِماً } : قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة .
وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً ، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً ، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً ، ثم لما تمَّ له المُلْكُ ، واستقام الأمر ، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً ، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }21 فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه ( سبحانه ) .
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول . قال يوسف ليعقوب : عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت . . فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء ؟
فقال يعقوب ، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً ، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً ، فقال يوسف عند ذلك : { توفني مُسْلِماً } .
ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال : توفني مسلماً ، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال : يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك ، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ : توفَّنِي مسلماً .
{ * رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين101 } .
تأويل الأحاديث : تفسير ما غمض منها . والمراد هنا : تفسير الأحلام .
فاطر السماوات والأرض : خالقهما على غير مثال سابق .
أنعم الله تعالى على يوسف بالعديد من النعم ، وجعل له من كل شدة فرجا ، ومن كل هم مخرجا .
من ذلك : إلقاؤه في الجب ، تعلق زليخا به ، ودخوله السجن .
ثم نجاه الله من السجن ، وجعله على خزائن الأرض ؛ فاتجه إلى ربه تعالى بالدعاء قائلا :
101 { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث . . . } .
أي : يا إلهي يا خالق السماوات والأرض ، قد أعطيتني من الملك التنفيذي الفعلي ، وإن الاسم لغيري ، إلا أن التنفيذ الفعلي في الأمور صار بتوجيهي وعملي ، وعلمتني تفسير الرؤيا ، وشرح الأحلام الغامضة ، { فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة } .
يا خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق ؛ فكان الكون كله على هذا النحو البديع المتكامل ، بما فيه من سماء وأرض وجبال وبحار وهواء وشمس وقمر ؛ { وكل في فلك يسبحون } . ( يس : 40 ) .
إنك متولي أموري ومتكفل بها ، أو أنت موال لي وناصري على من عاداني وأرادني بسوء .
{ توفني مسلما وألحقني بالصالحين } .
اختم لي حياتي على الإسلام والإيمان ، وثبتني على الإسلام في حياتي ، ثم ألحقني يا رب بالصالحين من عبادك .
وفي هذه الآية يختم يوسف قصته بدعاء مخلص يرجو ربه أن يثبته على الإيمان والإسلام حتى الموت ، وأن يكتب له درجة الصلاح ويلحقه بالصالحين من آبائه ، وبالصالحين من المسلمين وفيه دليل على منزلة الصلاح ، وأنها منزلة يتطلع إليها الأنبياء والمرسلون . قال تعالى : { ونبيا من الصالحين } . ( آل عمران : 39 ) .
{ رب } : أي يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبود سواه .
{ من الملك } : أي من بعض الملك إذ أصبح ملكاً لمصر فقط .
{ تأويل الأحاديث } : تعبير الرؤيا .
{ فاطر السماوات والأرض } : أي خالقهما على غير مثال سابق .
{ أنت وليّ } : أي متولي أمري في الحياتين الدنيا والآخرة .
هذا آخر الحديث عن قصة يوسف ، إنه بعد أن جمع الله تعالى شمله بكافة أفراد أسرته وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح ، وانقلبت الإِحراقات : إحراقات الإِلقاء في الجب ، والبيع رقيقاً بثمن بخس ، وفتنة امرأة العزيز ، والسجن سبع سنين ؛ انقلبت إلى إشراقات ملكاً ودولة ، عزاً ورفعة ، مالاً وثراء ، اجتماعاً ووئاماً ، وفوق ذلك العلم اللدني والوحي الإِلهي وتأويل الأحاديث . وبعد أن قبض الله تعالى والده وتاب على إخوته وهيأهم للنبوة ونبأهم . تاقت نفس يوسف إلى الملكوت الأعلى إلى الجيرة الصالحة إلى رفقة الأخيار آبائه الأطهار إبراهيم وإسحق ويعقوب رفع يديه إلى ربه وقال : { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } واستجاب الله تعالى دعاءه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بآبائه وصالحي إخوانه فسلام عليه وعليهم وعلى كل صالح في الأرض والسماء ، وسلا على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
1- مشروعية دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته .
2- مشروعية العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها .
3- فضل الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى .
4- مشروعية سؤال إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة ، أو رغبة في الراحة لحديث " لا يسألن أحدكم الموت لضر نزل به " وهو صحيح . ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين . عزوفاً عن هذه الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام .
قوله تعالى : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } بعد ما جمع الله ليوسف أبويه وإخوته وأهليهم وبسط عليه من الدنيا كل وجوه الكرامة والإعزاز والتمكين في الأرض وآتاه الله السعة في الملك والنعيم قال : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } أي ملك مصر حيث السلطان وعلو المنزلة { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } أي تعبير الرؤيا . وهذا من جملة العلوم التي يؤتاها أولو البصائر النيرة من المؤمنين الأخيار { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } { فاطر } منصوب على النداء ؛ أي يا خالق السموات والأرض { أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ } أنت عوني ونصيري ؛ إذ تتولى أمري كله في الدنيا والآخرة .
على أنه ما ينبغي لأحد في شريعة أن يتمنى الموت وإن اشتدت به الخطوب وتكاثرت من حوله النوائب والمحن . فما ينبغي لمسلم في مثل هذه الأحوال من الشدة والكرب إلا أن يلجأ إلى الله بالدعاء ؛ لكي يفيض على قلبه بالرحمة والسكينة ، وأن ييسر له الطاقة على الاحتمال والصبر ؛ فيكتب عند الله في عداد الصابرين العابدين المخبتين .
وفي هذا الصدد روي الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ؛ فإن كان ولابد متمنيا الموت فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) {[2302]} .