الحقُّ اسمٌ من أسمائه سبحانه ، ومعناه أنه موجود ، وأنه ذو الحق ، وأنه مُحِقُ الحقِّ .
والحقُّ من أوصاف الخَلْق ما حَسُنَ فعله وصحُّ اعتقاده وجاز النطق به .
و { اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ } : أي إلى الحق هدايته . وهداه له وهداه إليه بمعنىً ؛ فَمَنْ هداه الحقُّ للحقِّ وَقَفَه على الحقِّ ، وعزيزٌ منْ هداه الحقُّ إلى الحقِّ للحقِّ ، فماله نصيبٌ وماله حَظٌ .
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35 }
يهدى : أي : إلا أن يهديه الله تعالى .
الإنسان جسم وروح ، والله تعالى خالق الكون وخالق الأجسام وخالق الأرواح . و في الآية السابقة تحدث القرآن عن أن الله يبدأ الخلق ويوجده بخلق الكون ، ثم خلق الإنسان ، وهو سبحانه يعيد الخلق مرة أخرى بالبعث يوم القيامة . وفي هذه الآية تحدث عن هداية الأرواح ؛ بإنزال الكتب وإرسال الرسل ، وهداية البشر ، وتوجيه الروح إلى الحق ، ومنح العون والرشاد للمؤمنين ، وسلب الهداية والتوفيق عن الضالين .
قال تعالى : { الذي خلقني فهو يهدين } . ( الشعراء : 78 ) .
وقال سبحانه : { سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى } . ( الأعلى : 1 3 ) .
35 { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ . . . } الآية .
المعنى : قل لهم يا محمد : هل من شركائكم من يستطيع أن يهدي غيره إلى الدين الحق ؟ فينزل كتابا أو يرسل رسولا أو يشرع شريعة ، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون ؟ أو يحث العقول على التدبر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض ؟
قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي يفعل كل ذلك ، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من ذلك . أفمن يهدي غيره للحق والهداية والرشاد أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه ، أم من لا يستطيع أن يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره ، أحق بالإتباع ؟ !
أي : ما صرفكم عن الحق ؟ ! كيف تحكمون في شأن هذه الحجة التي أوردناها لكم ؟ وكيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء الله ؟ !
وقوله سبحانه : { أمن لا يهدي } . ورد فيه ست قراءات منها قراءة يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال ومنها قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف كيرْمى .
{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ْ } ببيانه وإرشاده ، أو بإلهامه وتوفيقه .
{ قُلِ اللَّهُ ْ } وحده { يَهْدِي لِلْحَقِّ ْ } بالأدلة والبراهين ، وبالإلهام والتوفيق ، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق .
{ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي ْ } أي : لا يهتدي { إِلَّا أَنْ يُهْدَى ْ } لعدم علمه ، ولضلاله ، وهي شركاؤهم ، التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى { فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ْ } أي : أيّ شيء جعلكم تحكمون هذا الحكم الباطل ، بصحة عبادة أحد مع الله ، بعد ظهور الحجة والبرهان ، أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده .
فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصافا معنوية ، ولا أوصافا فعلية ، تقتضي أن تعبد مع الله ، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها ، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة ؟
فالجواب : أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان ، أقبح البهتان ، وأضل الضلال ، حتى اعتقد ذلك وألفه ، وظنه حقًا ، وهو لا شيء . ولهذا قال : وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء
{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 35 ) }
قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين : هل مِن شركائكم مَن يرشد إلى الطريق المستقيم ؟ فإنهم لا يقدرون على ذلك ، قل لهم : الله وحده يهدي الضال عن الهدى إلى الحق . أيهما أحق بالاتباع : مَن يهدي وحده للحق أم من لا يهتدي لعدم علمه ولضلاله ، وهي شركاؤكم التي لا تَهدي ولا تَهتدي إلا أن تُهدَى ؟ فما بالكم كيف سوَّيتم بين الله وخلقه ؟ وهذا حكم باطل .
قوله : { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } وهذا احتجاج آخر على حقية التوحيد وبطلان الشرك ، وعلى أن هذه الأصنام الجوامد الصم لا تملك أن تهدي أحدا ، ولا تدري عن أمر الهداية والرسالات والكتب المنزلة شيئا . وهذه من صفات الإله وأعظم دلائل الألوهية . لا جرم أن الأصنام والأوثان وغير ذلك من الأرباب المزعومة أعظم ما تكون بعدا عن هذه الصفات .
قوله : قل الله يهدي للحق } هداية الناس للحق وتوفيقهم إلى الصواب من شأن الله وحده وليس من شأن الأصنام والأنداد المزعومة ، بل الله سبحانه إنما يهدي الحائرين والغافلين إلى صراطه المستقيم .
قوله : { أفمن يهدي إلى الحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي } الاستفهام للتقرير وإلزامه الحجة . والفاء للترتيب الاستفهام على ما سبق . والمعنى : من أحلق بالاتباع ، من يهدي غيره للحق ، أم الذي { لا يهدي } ويهدي ، بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال . وأصله : يهتدي . وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين{[1980]} أي الذي لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره .
وثمة قراءات أخرى للكلمة منها : يهدي ، بفتح الهاء وتشديد الدال ، ومنها : يهدي ، بسكون الهاء وتشديد الدال .
ومنها : يهدي ، بكسر الهاء والياء وتشديد الدال . وقرئت بغير ذلك .
قال الزمخشري في تأويل هذه الآية : إن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم ، وبما لطف بهم ووفقهم وأولهمهم وأخطر ببالهم وقفهم على الشرائع ، فهل من شركائكم الذين جعلتهم أندادا لله أحد من أشرافهم كالملائكة والمسيح وعزيز يهدي إلى الحق مثل هداية الله ؟ ثم قال : أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي ؛ أي لا يهدي بنفسه ، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله{[1981]} ؟ .
قوله : { فما لكم كيف تحكمون } { فما لكم } ، استفهام للإنكار والتعجيب . و { كيف تحكمون } ، استفهام آخر ؛ أي كيف تتخذون هؤلاء الصم العمي البكم شركاء تعبدونهم من دون الله وأنتم تعلمون أنهم لا يملكون هداية أنفسهم فضلا عن عدم هداية غيرهم ؛ فكيف تحكمون بالباطل ؟ !