قوله جلّ ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَاُدُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
أي لو عرفوا قَدْرَكَ لَمَا تركوا حُرْمَتَك ، والتزموا هَيبَتَك .
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا ، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيراً لهم .
أمَّا أصحابه - صلواتُ الله عليه وسلامه - الذين يعرفون قدْره فإنَّ أحدهم - كما في الخبر : " كأنه يَقْرَعُ بابَه بالأظافر " .
من وراء الحجرات : من خارجها ، سواء كان من خلفها ، أو من قدامها ، ويرى بعض أهل اللغة أن كلمة : وراء من الأضداد ، فتطلق تارة على ما أمامك ، وأخرى على ما خلفك ، والحجرات ( بضم الجيم وفتحها وتسكينها ) واحدها حُجْرة ، وهي القطعة من الأرض المحجورة ، أي الممنوعة من الدخول فيها بحائط ونحوه ، والمراد بها : حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم ، وكانت تسعا ، لكل منهن حجرة من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود ، وكانت غير مرتفعة يتناول سقفها باليد ، وقد أدخلت في عهد الوليد بن عبد الملك بأمره في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى الناس لذلك ، وكانت الحجرات في غاية البساطة .
4- { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .
كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام القائلة -منتصف النهار- فجاء وفد من أعراب بني تميم فنزلوا في المسجد ، وأخذوا ينادونه من خلف حجرات نسائه ، ويقولون : اخرج إلينا يا محمد ، فإن مدحنا زين ، وذمنا شين .
والحجرات جمع حجرة ، وهي الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحيط بها .
وفي رواية عن زيد بن أرقم قال : أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل ، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس بإتباعه ، وإن يك ملكا نعش في جنابه ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه : يا محمد ، يا محمد .
وهناك روايات أخرى في سبب النزول ، وتلتقي الروايات على أن جماعة من جفاة الأعراب ، نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت راحته في حجرته ، ولم يصبروا إلى وقت خروجه للصلاة ، حتى يوفروا له الراحة .
وقد وصفهم القرآن بهذه الآية ومعناها : إن الذين نادوا عليك من وراء حجرات نسائك بأسلوب فيه جلافة الأعراب ، { أكثرهم لا يعقلون } ، أي : لا يفهمون أصول الأدب واللياقة .
ولعل طائفة منهم لم ترض عن هذا الفعل ، فاستثناها القرآن ، لبيان أن أقلهم أصحاب عقل وحكمة ، وأحيانا يعبر بالأكثر عن الكل .
ثم أشار - سبحانه - إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : { إِنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى المدينة فى عام الوفود فى السنة التاسعة ، فوقفوا بالقرب من منزل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سعاة القيلولة وأخذوا يقولون : يا محمد اخرج إلينا . . فكره النبى - صلى الله عليه وسلم - منهم ذلك .
والمراد بالحجرات : حجرات نسائه - صلى الله عليه وسلم - جمع حجرة وهى القطعة من الأرض المحجورة ، أى : المحددة بحدود لا يجوز تخطيها ، ويمنع الدخول فيها إلا بإذن .
أى : إن الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - { مِن وَرَآءِ الحجرات } .
أى : خلق حجرات أزواجك وخارجها ، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول السليمة ، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من الناس ، فضلا عن أفضلهم ، وأشرفهم ، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا مخاطبة الناس ، لجفائهم وغلظ طباعهم .
وقال - سبحانه - { أَكْثَرُهُمْ } للإِشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه الكثرة فى هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وورود الآية على النمط الذى وردت عليه ، فيه مالا يخفى على الناظر من إكبار للنبى - صلى الله عليه وسلم وإجلال لمقامه .
ومن ذلك : مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفَه والجهلَ بسبب ما أقدموا عليه . ومن ذلك : التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذى يظهر به موضع الاستنكار عليهم .
ومن ذلك : شفُع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم ، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز فى المحاطبات ، تهوينا للخطب ، وتسلية له - صلى الله عليه وسلم - .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.