المراد من قوله : { بَنِى ءَادَمَ } هنا المؤمنون لأنه قال في صفة الكفار : { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِّن مُّكْرِمٍ } [ الحج :18 ] والتكريم التكثير من الإكرام ، فإذا حَرَمَ الكافرَ الإكرامَ . . . فمتى يكون له التكريم ؟
ويقال إنما قال : { كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ } ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب الاجتهاد توضيحاً بأن التكريم لا يكون مقابلَ فِعْلِ ، أو مُعَلَّلاً بِعِلةٍ ، أو مُسَبّباً باستحقاقٍ يوجب ذلك التكريم .
ومن التكريم أنهم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة .
ومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه خَاطَبَه ، وإذا أراد أن يسأل شيئاً سأله .
ومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته ، فلو تكرر منه جُرْمُه ثم توبته يضاعف له قبولَه التوبة وعفوَه .
ومن التكريم أنه إذا شَرَعَ في التوبة أَخَذَ بيده ، وإذا قال : لا أعود - يقبل قولَه وإِنْ عَلِمَ أنه ينقض توبته .
ومن التكريم أنه زَيَّنَ ظاهرَهم بتوفيق المجاهدة ، وحَسَّنَ باطنَهم بتحقيق المشاهدة .
ومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم ، وغفر لهم قبل استغفارهم ، كذا في الأثر : " أعطيكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني " .
ومن تكريم جملتهم أنه قال لهم : { فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة :152 ] ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن .
وكما خَصّ بني آدم بالتكريم خصَّ أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - منهم بتكريم مخصوص ، فمن ذلك قوله تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة :54 ] و { رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [ المائدة :119 ] وقوله { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } [ البقرة :165 ] .
ومن التكريم قوله : { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 110 ]
ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه .
ومن التكريم لقوم توفيقُ صِدْق القَدَم ، ولقوم تحقيقُ علوِّ الهِمَم . قوله : { وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَّرِ وَالبَحْرِ } : سَّخر البحر لهم حتى ركبوا في السفن ، وسَّخر البرَّ لهم حتى قال : { لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } [ فصلت :37 ] .
ويقال محمولُ الكرامِ لا يقع ، فإنْ وَقَعَ وَجَدَ مَنْ يأخذ بيده .
ويقال الإشارة في حملهم في البرِّ ما أوصل إليهم جهراً ، والإشارة بحديث البحر . ما أفردهم به من لطائف الأحوال سِرَّا .
ويقال لمّا حَمَلَ بنو آدم الأمانة حملناهم في البر ، فَحَمْلٌ هو جزاءُ حَمْلٍ ، حَمْلٌ هو فِعْلُ مَنْ لم يكن وحَمْلٌ هو فَضْلُ من لم يَزَل .
قوله : { وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطيبات } : الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق ؛ فَمَنْ لم يكن غائباً بقلبه ولا غافلاً عن ربَّه استطاب كُلَّ رزقٍ ، وأنشدوا :
يا عاشقي إني سَعِدْتُ شراباً *** لو كان حتى علقماً أو صابا
قوله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلْقْنَا تَفْضِيلاً } : أي الذين فضلناهم على خلقِ كثير ، وليس يريد أن قوماً بقوا لم يفضلهم عليهم ، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلِّ مَنْ خَلَقْنا ، وذلك التفضيل في الخِلْقة . ثم فَاضَلَ بين بني آدم في شيء آخر هو الخُلق الحسن ، فَجَمَعهم في الخُلقة - التي يفضلون بها سائر المخلوقات- ومَايَزَ بينهم في الخُلق .
ويقال : { كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ } : هذا اللفظ للعموم ، والمراد منه الخصوص ، وهم المؤمنون ، وبذلك يفضل قومٌ على الباقين ، ففَضَّل أولياءَه على كثير ممن لم يبلغوا استحقاقَ الولاية .
ويقال فضَّلهم بألاَّ ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار ، وأن ينظروا إلى أعمالهم بعين الاستصغار .
70- { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } .
قال النيسابوري : وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوها منها : تعلم الكتابة ؛ فبها يقدر الإنسان على إبداع العلوم التي استنبطها هو أو غيره في الدفاتر ، فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس ، محفوظة عن الانطماس : { اقرأ وربّك الأكرم . الذي علّم بالقلم } . ( العلق : 4 ، 3 ) .
ومنها : الصورة الحسنة : { وصوركم فأحسن صوركم } ، ومنها : القامة المعتدلة : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ، ومنها : أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم .
يحكى عن الرشيد : أنه حضر إليه طعام فأحضرت الملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس : أن هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها ؛ فرد الملاعق وأكل بأصابعه ، ومنها : ما قال الضحاك : أنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوانات ، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة ، ويخرج الببغاء ونحوه ؛ لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال ، ومنها : تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم فالأرض كالأم الحاضنة : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } وهي لهم فرش ومهاد ، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة ، وماء البحر ينتفع به في التجارة استخراج الحلي منها ، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح ؛ لاستولى النتن على المعمورة ، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك ، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والحيوانية ظاهر ، وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع فأي تكريم يكون أزيد من هذا{[435]} .
{ ورزقناهم من الطيبات } . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة ، فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرم منها ، فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به ، ولكنه سرعان ما يعود فينسى . . هذه الشمس ، هذا الهواء ، هذا الماء ، هذه الصحة ، هذه القدرة على الحركة ، هذه الحواس ، هذا العقل ، هذه المطاعم والمشارب والمشاهد ، هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه ، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه .
{ وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } . أي : فضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيما .
ومن التكريم : أن يكون الإنسان قيما على نفسه ، محتملا تبعة اتجاهه وعمله ، فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا . وهي حرية الاتجاه وفردية التبعة ، وبها استخلف في دار العمل ، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب{[436]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.