لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

التبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد ، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان ، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم ، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشِدَ ، ومَنْ أصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه .

واحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى ؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها . . . إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم ، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم .

واحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض - في حال الربيع - بعد موتها ، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة . والذي يَقْدِرُ على هذه الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة .

قوله : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ } [ الحج :5 ] : زمان الفترة بعد المجاهدة ، وحال الحجبة عقب المشاهدة .

ويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق .

ويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب .

ويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان .

ويقال أرذل العمر التعريج في أوطان المذلة .

ويقال أرذل العمر العِشْرَةُ مع الاضداد .

ويقال أرذل العمر عَيْشُ المرءِ بحيث لا يُعْرَفُ قَدْرُه .

ويقال أرذل العمر بأن يُوكَل إلى نَفْسِه .

ويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئاً بغير الله .

ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النَّفْس ، والعَمَى عن شهود تقدير الحق .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ( 7 ) } .

5

التفسير :

5 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ . . .

الريب : الشك .

النطفة : أصل النطفة الماء العذب ، ويراد بها هنا : ماء الرجل .

العلقة : القطعة الجامدة من الدم .

المضغة : القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ .

الأجل المسمى : هو حين الوضع .

الطفل : يكون للواحد والجمع .

الأشد : القوة .

أرذل العمر : أدنؤه ، وأردؤه .

هامدة : ميتة يابسة ، من قولهم : همدت الأرض ، إذا يبست ودرست ، وهمد الثوب : بلى .

اهتزت : اهتز نباتها وتحرك .

ربت : ازدادت وانتفخت ، لما يتداخلها من الماء والنبات .

زوج : صنف .

بهيج : حسن سار للناظرين .

تأتي هذه الآية ، لترد على المشركين في إنكارهم للبعث ، فتضرب أمامهم مثالين ، هما حياة الإنسان وحياة الزرع ، ووراء كل ذلك يد القدرة ، ومعنى الآية : يا أيها الناس إن كنتم في شك من بعثنا لكم بعد الموت ، ففي خلقنا لكم الدليل على قدرتنا على البعث ، فلقد خلقنا أصلكم من تراب ، وهو آدم عليه السلام ، ثم جعلنا منه نطفة هي ماء الرجل ، الذي ينطلق إلى الرحم ، وبه ملايين الحيوانات المنوية ، ثم يتم الإخصاب بين حيوان واحد من الرجل ، وحيوان واحد من المرأة ، حيث يتم تلقيح الخلية ، فتصبح بعده قطعة جامدة ، تعلق بجدار الرحم ، وتسمى علقة ، لشدة تعلقها وتشبثها بجدار الرحم ، ثم تتحول العلقة إلى قطعة من اللحم ، مصورة فيها معالم الإنسان ، وكل صفاته من اللون بدرجاته ، والطول أو القصر ، والذكاء ونسبته ، وسائر الأجهزة الهضمية ، والعصبية ، واللمفاوية ، والحسية ، والإدراكية ، أو غير مصورة وهي السقط الذي لم تنفخ فيه الروح .

ويحتمل أن المعنى : ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ .

المخلقة : التامة الخلقة السالمة من العيوب .

غير المخلقة : الناقصة في العقل أو الذكاء أو الجوارح .

وقيل مخلقة : نفخت فيها الروح .

وغير مخلقة : لم تنفخ فيها الروح .

لنبين لكم . قدرتنا القادرة ، وأن وراء خلق الإنسان ، قدرة كاملة ، حيث تجعل أصغر الحيوانات المنوية ، يحمل خصائص كاملة من الوراثة .

أو لنبين لكم قدرتنا على الإبداع ، والتدرج في التكوين .

وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا .

ونسقط من الأرحام ما نشاء ، ونبقى فيها ما نشاء ، حتى تكمل مدة الحمل ، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ، ثم نرعاكم لتبلغوا تمام العقل والقوة ، ومنكم بعد ذلك من يتوفاه الله ، ومنكم من يمد له عمره حتى يصير إلى الهرم والخرف ، فيتوقف علمه وإدراكه للأشياء ، ومن بدأ خلقكم بهذه الصورة البديعة المتكاملة ، لا تعجزه إعادتكم .

وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .

وأمر آخر يدلكم على قدرتنا ، هو أنك ترى الأرض قاحلة يابسة ، فإذا أنزلنا عليها الماء ، دبت فيها الحياة ، وتحركت وزادت ، وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء ، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظره ، ويبهر حسنه ، وتبتهج لمرآه ، والآية تأخذ بأيدينا إلى إبداع القدرة الإلهية ، في تكوين الجنين في بطن أمه ، ومراحل حياته ، ووجوده في هذه الدنيا ، ونهايته وموته ، وكذلك الأرض وخصوبتها ، وحياتها بالمطر والنبات ، فإن الذي أحيا الإنسان ، وأحيا الأرض ، قادر على البعث والحشر والجزاء والثواب والعقاب ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ( الروم : 27 ) .

في أعقاب الآية :

أشارت الآية إلى سبع مراحل يمر بها الإنسان :

1 . أصلنا من التراب ، والمنى متولد من الماء والتراب والغذاء .

2 . النطفة وهي الحيوان المنوي من الذكر الذي يلقح البويضة ، عند الأنثى ، ثم يستقر بعد ذلك في الرحم .

3 . العلقة التي تعلق بجدار الرحم .

4 . المضغة المخلقة التامة الحواس ، فتصير تامة الصورة لمعالم الجسم ، أو ناقصة التصوير والمعالم .

جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ، أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح )vi .

وقد اتفق العلماء على أن نفخ الروح الحركية في الجنين ، يكون بعد مائة وعشرين يوما ، أي بعد تمام أربعة أشهر .

قال ابن عباس :

وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح ، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها ، أربعة أشهر وعشرة أيام .

5 - ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا . حيث ينزل الجنين طفلا مكتمل الحواس ، صالحا للنمو شيئا فشيئا .

6 - ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ . تتكامل القوة البدنية والعقلية ، حتى يصل الإنسان إلى حد الكمال في عنفوان الشباب ، مرورا بمرحلة الطفولة والناشئة والفتوة ثم الشباب .

7- مرحلة الشيخوخة والوصول إلى أرذل العمر والضعف ، ومن الناس من يموت قبل هذه المرحلة ، أوقبل المراحل السابقة عليها .

قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ . ( الروم : 54 ) .

فالله سبحانه القادر على تكوين الجنين ، وتطوير خلقته في بطن أمه ، وتطوير حياته من الضعف إلى القوة ثم الضعف ، هو سبحانه القادر على إعادة خلقه وإحيائه بعد موته ، كما يحي الأرض بعد موتها وهو على كل شيء قدير .

وقريب من هذا المعنى ما ورد في صدر سورة المؤمنون قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ . ( المؤمنون : 12 ، 16 ) .