في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (63)

51

ويشير السياق إلى سمة أخرى من سمات المجتمعات الفاسدة ؛ وهو يستنكر سكوت الربانيين القائمين على الشريعة ، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني . . سكوتهم على مسارعة القوم في الإثم والعدوان وأكل السحت ؛ وعدم نهيهم عن هذا الشر الذي يتسابقون فيه :

( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ! لبئس ما كانوا يصنعون ! )

فهذه السمة - سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان - هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار . . وبنو إسرائيل ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) . . كما حكى عنهم القرآن الكريم . .

إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . أن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؛ وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي ، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .

وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ووصف بني إسرائيل فقال : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) . . فكان ذلك فيصلا بين المجتمعين وبين الجماعتين .

أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار ، الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت ؛ الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله .

وإنه لصوت النذير لكل أهل دين . فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ والأمر كما قلنا من قبل في الظلال ، يقتضي " سلطة " تأمر وتنهى ، والأمر والنهي أمر غير الدعوة . فالدعوة بيان ، والأمر والنهي سلطان . وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع ؛ فلا يكون مطلق كلام !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (63)

{ لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والاحبار } قال الحسن : الربانيون علماء الإنجيل والأحبار علماء التوراة ، وقال غيره : كلهم في اليهود لأنه يتصل بذكرهم ، و { لَوْلاَ } الداخلة على المضارع كما قرره ابن الحاجب وغيره للتحضيض ، والداخلة على الماضي للتوبيخ ، والمراد هنا تحضيض الذين يقتدي بهم أفناؤهم ، ويعلمون قباحة ما هم فيه وسوء مغبته على نهي أسافلهم . { عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت } مع علمهم بقبحهما واطلاعهم على مباشرتهم لهما ، وفي «البحر » إن هذا التحضيض يتضمن توبيخهم على السكوت وترك النهي .

{ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } الكلام فيه كالكلام السابق في نظيره خلا أن هذا أبلغ مما تقدم في حق العامة لما تقرر في اللغة والاستعمال أن الفعل ما صدر عن الحيوان مطلقاً ، فإن كان عن قصد سمي عملاً ثم إن حصل بمزاولة وتكرر حتى رسخ وصار ملكة له سمي صنعاً وصنعة وصناعة ، فلذا كان الصنع أبلغ لاقتضائه الرسوخ ، ولذا يقال للحاذق : صانع ، وللثوب الجيد النسج : صنيع كما قاله الراغب ففي الآية إشارة إلى أن ترك النهي أقبح من الارتكاب ، ووجهه بأن المرتكب له في المعصية لذة وقضاء وطر بخلاف المقر له ، ولذا ورد إن جرم الديوث أعظم من الزانيين .

واستشكل ذلك بأنه يلزم عليه أن ترك النهي عن الزنا والقتل أشد إثماً منهما وهو بعيد ، وأجيب بأنه لا يبعد أن يكون إثم ترك النهي ممن يؤثر نهيه كف المنهي عن فعل المنهي عنه أشد من إثم المرتكب كيفما كان مرتكبه قتلاً أو زناً أو غيرهما ، وقال الشهاب : إن قيد الأشدية يختلف بالاعتبار ، فكونه أشد باعتبار ارتكاب ما لا فائدة له فيه لا ينافي كون المباشرة أكثر إثماً منه فتأمل ، وفي الآية مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى ، ومن هنا قال الضحاك : ما أخوفني من هذه الآية ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية ، وقرىء ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (63)

قوله : { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت } لولا أداة تحضيض بمعنى هلا . والربانيون يراد بهم علماء الإنجيل . والأحبار علماء التوراة . وقيل : كلهم في اليهود ، لأن الكلام هنا متعلق بهم ، والمراد في الآية تحضيض العلماء الذين يقتدى بهم على نهي هؤلاء العصاة عما يفعلونه من مناكير وآثام ومجاوزات لحدود الله . أي هلا نهاهم علماؤهم وأحبارهم وساستهم من اليهود عن قولهم الإثم وهو الكذب والزور ، وأكلهم الحرام .

قوله : { لبئس ما كانوا يصنعون } يصنعون ، من الصنع ، بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة . وليس كل عمل يسمى صناعة إلا بتكرار العمل حتى رسوخه ليكون ملكة لفاعله فيسمى صنعا أو صناعة ، وبذلك فإن الصنع أبلغ من العمل ، لأنه يقتضي الرسوخ . وعلى هذا فإن الآية تشير إلى أن ترك النهي عن المنكر لهو أقبح من ارتكابه . قال ابن عباس في هذه الآية : هي أشد في القرآن . وقال الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها{[1016]} .


[1016]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 237 وروح المعاني ج 6ص 179 وتفسير الطبري ج 6 ص 193 وتفسير البيضاوي ص 155 وتفسير الرازي ج 12 ص 41 والبيان لابن الأنباري ج 1 ص 299.