فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (63)

ثم وبخ علماءهم في تركهم لنهيهم فقال : { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وهذا فيه زيادة على قوله : { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرّب فيه صاحبه ، ولهذا تقول العرب : سيف صنيع إذا جوّد عامله عمله فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل ، فوبخ سبحانه الخاصة ، وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بما هو أغلظ وأشدّ من توبيخ فاعل المعاصي ، فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم ، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي ، مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع ، بل هم أشدّ حالاً وأعظم وبالاً من العصاة ، فرحم الله عالماً قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو أعظم ما افترضه الله عليه وأوجب ما أوجب عليه النهوض به .

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم ، وأعنا على ذلك ، وقوّنا عليه ، ويسره لنا ، وانصرنا على من تعدى حدودك ، وظلم عبادك ، إنه لا ناصر لنا سواك ، ولا مستعان غيرك ، يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد ، وإياك نستعين .

/خ63