في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

121

ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور الإسلامي الكبيرة ؛ وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق ؛ متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق ؛ ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ؛ وسيجزي الله الشاكرين . وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ؛ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ؛ وسنجزي الشاكرين . وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين ) . .

إن الآية الأولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة ، حدثت في غزوة أحد . ذلك حين انكشف ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل ، فركبه المشركون ، وأوقعوا بالمسلمين ، وكسرت رباعية الرسول [ ص ] وشج وجهه ، ونزفت جراحه ؛ وحين اختلطت الأمور ، وتفرق المسلمون ، لا يدري أحدهم مكان الآخر . . حينئذ نادى مناد : إن محمدا قد قتل . . وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين . فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة ، مصعدين في الجبل منهزمين ، تاركين المعركة يائسين . . لولا أن ثبت رسول الله [ ص ] في تلك القلة من الرجال ؛ وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون ، حتى فاءوا إليه ، وثبت الله قلوبهم ، وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة . . كما سيجيء . .

فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول ، يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه ، ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي ؛ ويجعلها محورا لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة ، وفي تاريخ الإيمان ومواكب المؤمنين :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين ) . .

إن محمدا ليس إلا رسولا . سبقته الرسل . وقد مات الرسل . ومحمد سيموت كما مات الرسل قبله . . هذه حقيقة أولية بسيطة . فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ؟

إن محمدا رسول من عند الله ، جاء ليبلغ كلمة الله . والله باق لا يموت ، وكلمته باقية لا تموت . . وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل . . وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول . وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة !

إن البشر إلى فناء ، والعقيدة إلى بقاء ، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس ، من الرسل والدعاة على مدار التاريخ . . والمسلم الذي يحب رسول الله [ ص ] وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا . الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة . وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك ! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد . . وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم ، وبكل مشاعرهم ، حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره [ ص ] . . هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب ، مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد [ ص ] والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده ، باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت .

إن الدعوة أقدم من الداعية :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) . .

قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن ، العميقة في منابت التاريخ ، المبتدئة مع البشرية ، تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق .

وهي أكبر من الداعية ، وأبقى من الداعية . فدعاتها يجيئون ويذهبون ، وتبقى هي على الأجيال والقرون ، ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الأول ، الذي أرسل بها الرسل ، وهو باق - سبحانه - يتوجه إليه المؤمنون . . وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه ، ويرتد عن هدى الله . والله حي لا يموت :

ومن ثم هذا الاستنكار ، وهذا التهديد ، وهذا البيان المنير :

( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين ) . .

وفي التعبير تصوير حي للارتداد : ( انقلبتم على أعقابكم ) . . ( ومن ينقلب على عقبيه ) . فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة ، كأنه منظر مشهود . والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ، ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف : إن محمدا قد قتل ، فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين ، وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين ، وانتهى أمر الجهاد للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا ، فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب ، كارتدادهم في المعركة على الأعقاب ! وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس - رضي الله عنه - فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم ، وقالوا له : إن محمدا قد مات : " فما تصنعون بالحياة من بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله [ ص ] " .

( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) . .

فإنما هو الخاسر ، الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق . . وانقلابه لن يضر الله شيئا . فالله غني عن الناس وعن إيمانهم . ولكنه - رحمة منه بالعباد - شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ، ولخيرهم هم . وما يتنكبه متنكب حتى يلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله . وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق ، وتعوج الأمور كلها ، ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة ، وتستقيم في ظله النفوس ، وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها ، والسلام مع الكون الذي تعيش فيه .

( وسيجزي الله الشاكرين ) . .

الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج ، فيشكرونها باتباع المنهج ، ويشكرونها بالثناء على الله ، ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم ، ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة ، وهو أكبر وأبقى . .

وكأنما أراد الله - سبحانه - بهذه الحادثة ، وبهذه الآية ، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي [ ص ] وهو حي بينهم . وأن يصلهم مباشرة بالنبع . النبع الذي لم يفجره محمد [ ص ] ولكن جاء فقط ليومىء إليه ، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله من الرسل ، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم ، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى . العروة التي لم يعقدها محمد [ ص ] إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ، ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة ، وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة ، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط . حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة ، التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول [ ص ] أو يقتل ، فهم إنما بايعوا الله . وهم أمام الله مسؤولون !

وكأنما كان الله - سبحانه - يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى - حين تقع - وهو - سبحانه - يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم . فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ، وأن يصلهم به هو ، وبدعوته الباقية ، قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول .

ولقد أصيبوا - حين وقعت بالفعل - بالدهش والذهول . حتى لقد وقف عمر - رضي الله عنه - شاهرا سيفه ، يهدد به من يقول : إن محمدا قد مات !

ولم يثبت إلا أبو بكر ، الموصول القلب بصاحبه ، وبقدر الله فيه ، الاتصال المباشر الوثيق . وكانت هذه الآية - حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين - هي النداء الإلهي المسموع ، فإذا هم يثوبون ويرجعون !

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } روي أنه لما التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني ؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول :

أنا الذي عاهدني خليلي *** ونحن بالسفح لدى النحيل

أن لا أقوم الدهر في الكبول *** أضرب بسيف الله والرسول

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالاً شديداً حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً منهم فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفهم في مائتين وخمسين فارساً ففرقوهم وقتلوا نحواً من ثلاثين رجلاً ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن قميئة .

وقيل : إن الرامي عتبة بن أبي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قتلت محمداً وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل : إنه إبليس ألا إن محمداً قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : إليّ عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبي وأمي وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست ، وعين قتادة حتى وقعت على وجنته فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول : لا نجوت إن نجوت فقال القوم : يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ، فقال : دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول : قتلني محمد وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي : أقتلك ؟ فلو بزق عليَّ بعد تلك المقالة قتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف .

ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل قال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم . وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك عما قال هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه .

وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال : «عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين » فأنزل الله تعالى هذه الآية .

ومحمد علم لنبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها : رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيراً وضده المذمم ، وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمماً وأنا محمد » . وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل : إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل لما بالاتفاق ؛ لانتقاض نفيه بإلا ، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر إفراد ؟ فذهب العلامة الطيبي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة { قَدْ خَلَتْ } الخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل : قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا ، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة لأن ذلك ناشىء من الذهول عن الوصف ، وقيل : الجملة في موضع الحال من الضمير في { رَّسُولٍ } والانصباب هو الانصباب .

وذهب صاحب «المفتاح » إلى أنه قصر إفراد إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه صلى الله عليه وسلم منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين : الرسالة’ والبعد عن الهلاك فقصر على الرسالة نفياً للبعد عن الهلاك ، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل جملة { قد خلت مستأنفة لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس بعيداً عن عدم البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب القصر عليه ، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد النكرات ، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضاً مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير ، وقرأ ابن عباس رسل بالتنكير .

{ أَفَإيْن مَّاتَ أَوْ قُتلَ انقلبتم على أعقابكم } الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب ، والانقلاب على الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى ، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور ، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به ، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك ؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتداداً حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم إياه للهلك ، وقيل : الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي ، لا إنكار لما وقع ، وقيل : هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به .

وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجاً بما أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال : { لما نزلت هذه الآية { لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } [ الفتح : 4 ] قالوا : يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص ؟ قال : إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا : فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى ؟ قال : نعم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم } والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة .

وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب ، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سبباً للتمسك بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم السلام ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولاً يخلو كما خلت الرسل ، وإيراد الموت بكلمة ( إن ) مع العلم ( به ) البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه ، قال المولى : وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة ( إن ) في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلاً ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع ، أو أمر آخر يناسب المقام .

والمراد من الموت ، الموت على الفراش و بالقتل ، الموت بواسطة نقض البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجرّ الموت الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على الثبات هناك أهم ، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافاً لمن زعمه مستدلاً بما ورد من أكلة خيبر ، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء المنهزمين ، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام الهائل .

وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذٍ فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ، فخرج أبو بكر فقال : على رسلك يا عمر أنصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت ، ثم تلى هذه الآية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } إلى آخرها فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ فأخذها الناس من أبي بكر ، وقال عمر : فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ، والاعتذار باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه ، وكون المراد منها العصمة من فتنة الناس وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يظن به ذلك ، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض .

{ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله } بما فعل من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار { شَيْئاً } من الضرر وإن قل وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب ، ويشير إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس إلا نفسه { وَسَيَجْزِى الله الشاكرين } أي سيثيب الثابتين على دين الإسلام ، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشىء عن تيقن حقيته وذلك شكر له ، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين ، وإلى تفسير الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير ، وكان يقول : الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أمير الشاكرين ، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين والأنصار ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } أي أنه بشر كسائر إخوانه من المرسلين فكما خلوا من قبله سيخلو هو من بعدهم { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم } ورجعتم القهقرى ، والإشارة في ذلك إلى أنه تعالى عاتب من تزلزل لذهاب الواسطة العظمى عن البين وهو مناف لمشاهدة الحق ومعاينته ، ولهذا قال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً } لفنائه الذاتي { وَسَيَجْزِى الله } بالإيمان الحقيقي { الشاكرين } [ آل عمران : 144 ] بالإيمان التقليدي بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

قوله تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } . قال أصحاب المغازي : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من احد في سبعمائة رجل ، وجعل عبد الله بن جبير-وهو أخو خوات ابن جبير- على الرجالة ، وكانوا خمسين رجلاً ، وقال : " أقيموا بأصل الجبل ، وانضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم ، وإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم " فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ، ومعهم النساء يضربن بالدفوف ، ويقلن الأشعار ، فقاتلوا حتى حميت الحرب ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً فقال : " من يأخذ هذا السيف بحقه ، ويضرب به العدو حتى يثخن " فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع " . ففلق به هام المشركين ، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم . وروينا عن البراء بن عازب قال : فأنا –والله- رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمة والله لنأتين الناس ، ولنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم . قال الزبير بن العوام : فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل ، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب . فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى ظهورهم خالية ، صاح في خيله من المشركين ، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم ، فهزموهم وقتلوهم ، ورمى عبد الله بن قميئة رسول اله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته ، وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها ، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع ، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوجب طلحة " . ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد ، وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها لم تستطع أن تسيغها ، فلفظتها ، وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذبه مصعب بن عمير ، وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتله ابن قمئة ، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع إلى المشركين وقال : إني قتلت محمداً ، وصاح صارخا ألا إن محمداً قد قتل ، ويقال : إن ذلك الصارخ إبليس لعنة الله عليه . فانكفأ الناس ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس " إلي عباد الله إلي عباد الله " . فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحملوه حتى كشفوا عنه المشركين ، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ، ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته ، وقال له : " ارم فداك أبي وأمي " ، وكان طلحة رجلاً رامياً شديداً النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً ، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول " انثرها لأبي طلحة ، وكان إذا رمى استشرف النبي صلى الله عليه وسلم لينظر إلى موضع نبله ، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله ، فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيبت عين قتادة ابن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها ، فعادت كأحسن ما كانت . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي ، وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " دعوه " حتى إذا دنا منه ، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أنا أقتلك إن شاء الله " فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ، ثم استقبله فطعنه في عنقه ، فخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ، ويقول : قتلني محمد ، فحمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس ، قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم ، أليس قال لي أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني ، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن علي ، أنا أبو عاصم ، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " اشتد غضب الله على من قتله نبي واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم " . قالوا : وفشا في الناس أن محمداً قد قتل فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا ما بأيديهم من الأسلحة ، وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ، فقال أنس بن النضر عم انس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وموتوا على مامات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة ، وهو يدعو الناس ، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إلي أن اسكت ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه ، فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار ، فقالوا : يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا الخبر بأنك قد قتلت ، فرعبت قلوبنا ، فولينا مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) . ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد ، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل ، والتحميد فوق الحمد ، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال ، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد ، وأحمد ، وفيه يقول حسان بن ثابت :

ألم تر أن الله أرسل عبده *** ببرهانه والله أعلى وأمجد

أغر عليه للنبوة خاتم *** من الله مشهور يلوح ويشهد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

قوله تعالى : { أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ } . ؟أي رجعتم إلى دينكم الأول .

قوله تعالى : { ومن ينقلب على عقبيه } . ويرتد عن دينه .

قوله تعالى : { فلن يضر الله شيئاً } . بارتداده وإنما ضر نفسه .

قوله تعالى : { وسيجزي الله الشاكرين } .