في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (36)

36

وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذوك إلا هزوا . أهذا الذي يذكر آلهتكم ؛ وهم بذكر الرحمن هم كافرون .

إن هؤلاء الكفار يكفرون بالرحمن ، خالق الكون ومدبره ، ليستنكرون على الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] أن يذكر آلهتهم الأصنام بالسوء ، بينما هم يكفرون بالرحمن دون أن يتحرجوا أو يتلوموا . . وهو أمر عجيب جد عجيب !

وإنهم ليلقون رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالهزء ، يستكثرون عليه أن ينال من أصنامهم تلك : ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ? )ولا يستكثرون على أنفسهم - وهم عبيد من عبيد الله - أن يكفروا به ، ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن . . وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (36)

{ وَإِذَا رءاك الذين كَفَرُواْ } أي المشركون { إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } أي ما يتخذونك إلا مهزوأ به على معنى قصر معاملتهم معه صلى الله عليه وسلم على اتخاذهم إياه عاملهم الله تعالى بعدله هزواً لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادر كأنه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً .

والظاهر أن جملة { إِن يَتَّخِذُونَكَ } الخ جواب { إِذَا } ولم يحتج إلى الفاء كما لم يحتج جوابها المقترن بما إليها في قوله تعالى : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بينات مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } [ الجاثية : 25 ] وهذا بخلاف جواب غير إذا من أدوات الشرط المقترن بما فإنه يلزم فيه الاقتران بالفاء نحو إن تزرنا فما نسيء إليك ، وقيل الجواب محذوف وهو يقولون المحكى به قوله تعالى : { أهذا الذي يَذْكُرُ ءالِهَتَكُمْ } وقوله سبحانه { إِن يَتَّخِذُونَكَ } الخ اعتراض وليس بذاك ، نعم لا بد من تقدير القول فيما ذكر وهو إما معطوف على جملة { إِن يَتَّخِذُونَكَ } أو حال أي ويقولون أو قائلين والاستفهام للإنكار والتعجب ويفيدان أن المراد يذكر آلهتكم بسوء ؛ وقد يكتفي بدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى : { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } [ الأنبياء : 60 ] فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء وقد تحاشوا عن التصريح أدباً مع آلهتهم . وفي «مجمع البيان » تقول العرب ذكرت فلاناً أي عبته ، وعليه قوله عنترة

: لا تذكري مهري وما أطعمته *** فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

/ انتهى ؛ والإشارة مثلها في قوله

: هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه *** من نسل شيبان بين الضال والسلم

فيكون في ذلك نوع بيان للاتخاذ هزواً ، وقوله تعالى : { وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون } في حيز النصب على الحالية من ضمير القول المقدر ؛ والمعنى أنهم يعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال أنهم بالقرآن الذي أنزل رحمة كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار ، فالضمير الأول مبتدأ خبره { كافرون } وبه يتعلق { بِذِكْرِ } وقدم رعاية للفاصلة وإضافته لامية ، والضمير الثاني تأكيد لفظي للأول ، والفصل بين العامل والمعمول بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول جائز ، ويجوز أن يراد { بِذِكْرِ الرحمن } توحيده على أن ذكر مصدر مضاف إلى المفعول أي وهم كافرون بتوحيد الرحمن المنعم عليهم بما يستدعي توحيده والإيمان به سبحانه ، وأن يراد به عظته تعالى وإرشاده الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب على أنه مصدر مضاف إلى الفاعل ، وقيل المراد بذكر الرحمن ذكره صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ وإطلاقه عليه تعالى ، والمراد بكفرهم به قولهم ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمانة فهو مصدر مضاف إلى المفعول لا غير وليس بشيء كما لا يخفى .

وجعل الزمخشري الجملة حالاً من ضمير { يَتَّخِذُونَكَ } أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بذكر الرحمن . وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه صلى الله عليه وسلم مر على أبي سفيان . وأبي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان : هذا نبي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال : ما تنكر أن يكون لبني عبد مناف نبي فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوفه وقال : ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة وقال لأبي سفيان : أما أنك لم تقل ما قلت إلا حمية ، وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سبباً للنزول والله تعالى أعلم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (36)

ثم حكى - سبحانه - جانبا من السفاهات التى كان المشركون يقابلون بها النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } .

أى : وإذا أبصرك المشركون - أيها الرسول الكريم - سخروا منك ، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك : { أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } أى : أهذا هو مدعى النبوة الذى يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها ، وينفى شفاعتها لنا ، وأنها تقربنا إلى الله زلفى .

وقوله - سبحانه - : { وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ } فى محل نصب حال من ضمير القول المقدر .

أى : أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذى يذكر آلهتكم بسوء ، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين ، كافرون بالقرآن الذى أنزله الله - تعالى - عليك - أيها الرسول الكريم - لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور .

فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم ، حيث استكثروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يذم آلهتهم التى لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم ، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم .

قال صاحب الكشاف : الذكر يكون بخير وبخلافه . فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد . كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء ، وإن كان عدوا فهو ذم ، ومنه قوله : { أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } .

والمعنى : أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم ، وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء .

ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك . وأما ذكر الله - تعالى - وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا ، فهم أحق بأن يُتَّخَذُوا هزوا منك ، فإنك محق وهم مبطلون . . . فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان ، وأساءوا الأدب مع الرحمن " .