اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (36)

قوله : { وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } المعنى : ما يتخذونك إلا هزواً ، وهذا رجوع إلى{[28399]} تهجين كفرهم . قال السدي ومقاتل : «نزلت في أبي جهل قرية النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو سفيان مع أبي جهل ، فقال أبو جهل{[28400]} لأبي سفيان : هذا نبيّ عبد مناف ، فقال أبو سفيان : وما تنكر{[28401]} أن يكون نبياً في بني عبد مناف . فسمع{[28402]} رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولهما فقال لأبي جهل «ما أراك{[28403]} تنتهي حتى ينزل بك{[28404]} ما نزل بعمك{[28405]} الوليد بن المغيرة ، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة » فنزلت هذه الآية{[28406]} . قوله : «إنْ يَتَّخِذونَك » إنْ «هنا نافية ، وهي وما في حيزها جواب الشرط بإذا{[28407]} . و«إذا » مخالفة لأدوات الشرط في ذلك ، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب ( إن ) النافية أو ب ( ما ) النافية وجب الإتيان بالفاء تقول : إن أتيتني فإن أهنتك ، أو فما أهنتك ، وتقول : إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ }{[28408]} و «اتخذ » هنا متعد لاثنين و «هُزُواً » هو الثاني إما على حذف مضاف ، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة ، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول{[28409]} .

وفي جواب «إذَا » قولان :

أحدهما : أنه «إِنْ » النافية وقد تقدم .

والثاني : أنه محذوف ، وهو القول الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في قوله { أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } إذ التقدير : وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي ، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقدر{[28410]} .

قوله : { وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ } «هُمْ »{[28411]} الأولى مبتدأ مخبر عنه ب «كَافِرُونَ » ، و «بِذِكْرِ » متعلق بالخبر ، والتقدير : وهم كافرون بذكر ، و «هُمْ » الثانية{[28412]} تأكيد{[28413]} للأول تأكيداً لفظياً ، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد ، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول .

وفي هذه الجملة قولان :

أحدهما : أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر ، أي{[28414]} : يقولون ذلك وهم على هذه الحالة{[28415]} .

والثاني : أنها حال من فاعل «يتخذونك » ، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال : والجملة في موضع الحال ، أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله{[28416]} .

فصل{[28417]}

والمعنى : أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون ، ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون{[28418]} . ويحتمل أن يراد «بذكر الرحمن » القرآن . ومعنى إعادة «وهم » أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل ، والثانية إبانة لاختصاصهم به ، وأيضاً فإن في إعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم .


[28399]:في الأصل: لا. وهو تحريف.
[28400]:في ب: أبي جهل. وهو تحريف.
[28401]:في ب: نكر.
[28402]:في ب: وسمع.
[28403]:في ب: ما أدراك.
[28404]:في الأصل: بعمك. وهو تحريف.
[28405]:في ب: ما نزل بك بعمك.
[28406]:انظر الفخر الرازي 22/170، والبحر المحيط 6/311.
[28407]:انظر البحر المحيط 6/311.
[28408]:[الجاثية: 25].
[28409]:انظر التبيان 2/918، البحر المحيط 6/312.
[28410]:انظر البحر المحيط 6/312.
[28411]:هم: سقط من ب.
[28412]:في ب: الثاني.
[28413]:في ب: تأكيدا.
[28414]:في الأصل: و.
[28415]:واستظهره أبو حيان. البحر المحيط 6/312.
[28416]:الكشاف 3/11.
[28417]:هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22/170.
[28418]:في ب زيادة بعد لا يشعرون: يقال: فلان يذكر فلانا، أي يعينه، وفلان يذكر الله أي يعظمه.