في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا} (3)

واتخذوا من دونه آلهة ، لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولاحياة ولا نشورا . .

وهكذا يجرد آلهتهم المدعاة من كل خصائص الألوهية فهم ( لا يخلقون شيئا )والله خلق كل شيء . ( وهم يخلقون ) . . يخلقهم عبادهم - بمعنى يصنعونهم - إن كانوا أصناما وأوثانا - ويخلقهم الله - بمعنى يوجدهم - إن كانوا ملائكة أو جنا أو بشرا أو شجرا أو حجرا . . ( ولا يملكون لأنفسهم )فضلا عن أن يملكوا لعبادهم ( ضرا ولا نفعا )والذي لا يملك لنفسه النفع قد يسهل عليه الضر . ولكن حتى هذا لا يملكونه . ومن ثم يقدمه في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه ! ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا الله : ( ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا )فلا إماتة حي ، ولا إنشاء حياة ، ولا إعادتها داخل في مقدورهم . فماذا لهم بعد ذلك من خصائص الألوهية ، وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة ? !

ألا إنه الانحراف المطلق ، الذي لا يستغرب معه أن يدعوا على الرسول بعد ذلك ما يدعون ، فدعواهم على الله أضخم وأقبح من كل ما يدعون على رسوله . وهل أقبح من ادعاء إنسان على الله وهو خالقه وخالق كل شيء ، ومدبر أمره ومقدر كل شيء . هل أقبح من ادعاء إنسان أن لله شريكا ? وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الذنب آكبر ? قال : " أن تجعل لله أندادا وهو خلقك . . . "

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا} (3)

{ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أظهر ، وضمير { اتخذوا } للمشكرني المفهوم من قوله تعالى : { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } [ الفرقان : 2 ] أو من المقام ، وقوله سبحانه : { نَذِيراً } [ الفرقان : 1 ] ، وقال الكرماني : للكفار وهم مندرجون في قوله تعالى : { للعالمين } والمراد حكاية أباطيلهم في أمر التوحيد والنبوة وإظهار بطلانها بعد أن بين سبحانه حقيقة الحق في مطلع السورة الكريمة أي اتذوا لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤونه العظيمة آلهة لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وهم مخلوقون لله تعالى أو هم يختلقهم عبدتهم بالنحت والتصوير ، ورجح المعنى الأول بأن الكلام عليه أشمل ولا يختص بالأصنام بخلافه على الثاني ويكون التعبير بالمضارع عليه في { يُخْلَقُونَ } المبني للمفعول لمشاركة { يُخْلَقُونَ } المبني للفاعل مع استحضار الحال الماضية ، ورجح المعنى الثاني بأنه أنسب بالمقام لأن الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم شفاها عبدة الأصنام وأن الأحكام الآتية أوفق بها ، نعم فيه تفسير الخلق بالافتعال كما في قوله تعالى : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } [ العنكبوت : 17 ] لأنه الذي يصح نسبته لغيره عز وجل وكذا الخلق بمعنى التقدير كما في قوله زهير

: ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري

والمتبادر منه إيجاد الشيء مقدراً بمقدار كما هو المراد من سابقه ، وتفيره بذلك أيضاً كما فعل الزمخشري بعيد كذا قيل : وتعقب بأنه يجوز أن يراد منه هذا المتبادر والأصنام بذواتها وصورها وأشكالها مخلوقة لله تعالى عند أهل الحق لأن أفعال العباد وما يترتب عليها وينشأ منها من الآثار مخلوقة له عز وجل عندهم كما حقق بل لو قيل بتعين هذه الإرادة على ذلك الوجه لم يبعد ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَمْلِكُونَ لاِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } لبيان حالهم بعد خلقهم ووجودهم ، والمراد لا يقدرون على التصرف في ضر ما ليدفعوه عن أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم ، ولما كان دفع الضر أهم أفيد أو لأعجزهم عنه ، وقيل : { لاِنفُسِهِمْ } ليدل على غاية عجزهم لأن من لا يقدر على ذلك في حق نفسه فلأن لا يقدر عليه في حق غيره من باب أولى . ومن خص الأحكام في الأصنام قال : إن هذا لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتب عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان ، وقد يقال : التصرف في الضر والنفع بالدفع والجلب على الإطلاق ليس على الحقيقة إلا لله عز وجل كما ينبىء عنه قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم : { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله } [ الأعراف : 188 ] وقوله تعالى : { وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حياة وَلاَ نُشُوراً } أي لا يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى في الدنيا وبعثهم في الأخرى للتصريح بعجزهم عن كل واحد مما ذكر على التفصيل والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع ذلك ، وتقديم الموت لمناسبة الضر المقدم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا} (3)

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، بل إنهم - لانطماس بصائرهم - عبدوا مخلوقا مثلهم فقال - تعالى - : { واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ . . } .

والضمير فى قوله { واتخذوا . . } يعود على المشركين المفهوم من قوله { وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ } أو من المقام .

أى : واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله - عز وجل - ، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شىء من الأشياء ، بل هى من مخلوقات الله - تعالى - .

وعبر هن هذه الآية بمضير العقلاء فى قوله { لاَّ يَخْلُقُونَ } جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لأن من بين من اتخذوهم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة . . . .

وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة : { لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ } فضلا عن غيرهم { ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ، ولا جلب النفع لذواتهم { وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً } أى : ولا يقدرون على إماتة الأحياء . ولا على إحياء الموتى فى الدنيا ، ولا على بعثهم ونشرهم فى الآخرة .

فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات ، كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها ، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها ؟ ! !

إن كل من يشرك مع الله - تعالى - أحدا فى العبادة . لو تدبر هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله رب العالمين .