في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (58)

26

( قل بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ) . . .

فبهذا الفضل الذي آتاه اللّه عباده ، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان . . فبذلك وحده فليفرحوا . فهذا هو الذي يستحق الفرح . لا المال ولا أعراض هذه الحياة . إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة ، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة ؛ ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبداً خاضعاً لها . والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها . إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد ، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض ، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض . الإيمان عندهم هو النعمة ، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف . والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم .

عن عقبة بن الوليد عن صفوان بن عمرو : سمعت أيفع بن عبد اللّه الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضي اللّه عنه - خرج عمر ومولى له ، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل يقول : الحمد للّه تعالى . ويقول مولاه : هذا واللّه من فضل اللّه ورحمته ، فقال عمر : كذبت ليس هذا هو الذي يقول اللّه تعالى : ( قل : بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) .

هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة . كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من اللّه من موعظة وهدى . فأما المال ، وأما الثراء ، وأما النصر ذاته فهو تابع . لذلك كان النصر يأتيهم ، وكان المال ينثال عليهم ، وكان الثراء يطلبهم . . إن طريق هذه الأمة واضح . إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها ، وفي سيرة الصدر الأول الذين فهموه من رجالها . . هذا هو الطريق .

إن الأرزاق المادية ، والقيم المادية ، ليست هي التي تحدد مكان الناس في هذه الأرض . . في الحياة الدنيا فضلاً عن مكانهم في الحياة الأخرى . . إن الأرزاق المادية ، والتيسيرات المادية ، والقيم المادية ، يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية - لا في الآخرة المؤجلة ولكن في هذه الحياة الواقعة - كما نشهد اليوم في حضارة المادة الكالحة !

إنه لا بد من قيم أخرى تحكم الحياة الإنسانية ؛ وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي للأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس ؛ وهي التي يمكن أن تجعل منها مادة سعادة وراحة لبني الإنسان .

إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم . هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء . كما يجعلها سبباً للرقي الإنساني أو مزلقاً للارتكاس !

ومن هنا كان التركيز على قيمة هذا الدين في حياة أهله :

( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين . قل : بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) . .

ومن هنا كان الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة يدركون هذه القيمة العليا ، فيقول عمر - رضي اللّه عنه - عن المال والأنعام : " ليس هذا هو الذي يقول اللّه تعالى : ( قل : بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون )

لقد كان عمر - رضي اللّه عنه - يفقه دينه . كان يعرف أن فضل اللّه ورحمته يتمثلان بالدرجة الأولى في هذا الذي أنزله اللّه لهم : موعظة من ربهم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين . لا فيما يجمعون من المال والإبل والأرزاق !

لقد كانوا يدركون قيمة النقلة البعيدة التي نقلها لهم هذا الدين ، من وهدة الجاهلية التي كانوا فيها وإنها لنقلة بعيدة بالقياس إلى الجاهلية في كل زمان ومكان . . بما فيها جاهلية القرن العشرين .

إن النقلة الأساسية التي تتمثل في هذا الدين هي إعتاق رقاب العباد من العبودية للعباد ؛ وتحريرهم من هذه العبودية ، وتعبيدهم للّه وحده ، وإقامة حياتهم كلها على أساس هذا الانطلاق الذي يرفع تصوراتهم ، ويرفع قيمهم ، ويرفع أخلاقهم . ويرفع حياتهم كلها من العبودية إلى الحرية . .

ثم تجيء الأرزاق المادية والتيسيرات المادية ، والتمكين المادي ، تبعاً لهذا التحرر وهذا الانطلاق . كما حدث في تاريخ العصبة المسلمة ، وهي تكتسح الجاهليات حولها ، وتهيمن على مقاليد السلطان في الأرض ، وتقود البشرية إلى اللّه ، لتستمتع معها بفضل اللّه . .

والذين يركزون على القيم المادية ، وعلى الإنتاج المادي ، ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسية ، هم أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع على مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان .

وهم لا يطلقونها دعوة بريئة ؛ ولكنهم يهدفون من ورائها إلى القضاء على القيم الإيمانية ، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان - دون أن تغفل ضروراتهم الأساسية - وتجعل لهم مطالبأساسية أخرى إلى جوار الطعام والمسكن والجنس التي يعيش في حدودها الحيوان !

وهذا الصياح المستمر بتضخيم القيم المادية ، والإنتاج المادي ، بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها . . وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيمة ، وتعدها قيمة الحياة الكبرى ؛ وتنسى في عاصفة الصياح المستمر . . الإنتاج . . الإنتاج . . كل القيم الروحية والأخلاقية ؛ وتدوس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي . . هذا الصياح ليس بريئاً ؛ إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى ؛ وتكون لها السيادة العليا على القيم جميعاً !

وعندما يصبح الإنتاج المادي صنماً يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة الأصنام ؛ فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك . . الأخلاق . الأسرة . الأعراض . الحريات . الضمانات . . . كلها . . كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج يجب أن تداس ! فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هي هذه ? إنه ليس من الحتم أن يكون الصنم حجراً أو خشباً . فقد يكون قيمة واعتباراً ولافتة ولقباً !

إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل اللّه ورحمته المتمثلين في هداه الذي يشفي الصدور ، ويحرر الرقاب ، ويعلي من القيم الإنسانية في الإنسان . وفي ظل هذه القيمة العليا يمكن الانتفاع برزق اللّه الذي أعطاه للناس في الأرض ؛ وبالتصنيع الذي يوفر الإنتاج المادي ؛ وبالتيسيرات المادية التي تقلل من شدة الكدح ؛ وبسائر هذه القيم التي تدق الجاهلية حولها الطبول في الأرض

وبدون وجود تلك القيمة العليا وسيادتها تصبح الأرزاق والتيسيرات والإنتاج لعنة يشقى بها الناس ؛ لأنها يومئذ تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية والآلية ، على حساب القيم الإنسانية العلوية

وصدق اللّه العظيم :

( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين . قل : بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (58)

{ قُلْ } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمر الناس بأن يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة أي قل لهم { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } متعلق بمحذوف ، وأصل الكلام ليفرحوا بفضل الله تعالى وبرحمته ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة اختصاصه بالمجرور ثم أدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ثم جىء بقوله سبحانه : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } للتأكيد والتقرير ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه ، والفاء الأولى قيل جزائية والثانية زائدة للتأكيد ، والأصل أن فرحوا بشيء فبذلك ليفرحوا لا بشيء آخر ثم زيدت الفاء لما ذكر ثم حذف الشرط ، وقيل : إن الأولى هي الزائدة لأن جواب الشرط في الحقيقة فليفرحوا وبذلك مقدم من تأخير لما أشير إليه ، وزيدت فيه الفاء للتحسين ، ولذلك جوز أن يكون بدلاً من قوله سبحانه : { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بحذف متعلقه ونظير ذلك في الاختلاف في تعيين الزائد فيه قول النمر بن تولب

: لا تجزعي إن منفساً أهلكته . . . فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

ومن غريب العربية ما أشار إليه بعضهم إن الآية من باب الاشتغال وقد أقيم اسم الإشارة مقام ضمير المعمول وتوحيده باعتبار ما ذكر ونحوه كما هو شائع فيه ، ووجه غرابته أن المعروف في شرط الباب اشتغال العامل بضمير المعمول ولم يذكر أحد من النحاة اشتغاله باسم الإشارة إليه ، وجوز أن يقدر متعلق الجار والمجرور { *فليعتنوا } أي بفضل الله ورحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا ، والقرينة على تقدير ذلك أن ما يفرح به يكون مما يعتني ويهتم بشأنه ، أو تقديم الجار والمجرور على ما قيل ، وقال الحلبي : الدلالة عليه من السباق واضحة وليس شرط الدلالة أن تكون لفظية ، فقول أبي حيان : إن ذلك إضمار لا دليل عليه مما لا وجه له ، وأن يقدر جاءتكم بعد { اثنين قُلْ } مدلولاً عليه بما قبل أي قل جاءتكم موعظة وشفاء وهدى ورحمة بفضل الله وبرحمته ولا يجوز تعلقه بجاءتكم المذكور لأن { قُلْ } تمنع من ذلك ، وذلك على هذا إشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو المجىء أي فبمجىء المذكورات فليفرحوا ، وتكرير الباء في برحمته على سائر الأوجه للإيذان باستقلالها في استيجاب الفرح ، والمراد بالفضل والرحمة إما الجنس ويدخل فيه ما في مجىء القرآن من الفضل والرحمة دخولاً أولياً وإما ما في مجيئه من ذلك ، ويؤيده ما روي عن مجاهد أن المراد بالفضل والرحمة القرآن .

وأخرج أبو الشيخ . وابن مردويه عن أنس قال قال : «رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله »

وروي ذلك عن البراء . وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما موقوفاً . وجاء عن جمع جم أن الفضل القرآن والرحمة الإسلام وهو في معنى الحديث المذكور . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الفضل العلم والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج الخطيب . وابن عساكر عنه تفسير الفضل بالنبي عليه الصلاة والسلام والرحمة بعلي كرم الله تعالى وجهه ، والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما يرشد إليه قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] دون الأمير كرم الله تعالى وجهه ، وإن كان رحمة جليلة رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، وقيل : المراد بهما الجنة والنجاة من النار . وقيل غير ذلك ، ولا يجوز أن يراد بالرحمة على الوجه الأخير من أوجه الإعراب ما أريد بها أولاً بل هي فيه غير الأولى كما لا يخفى . وروى رويس عن يعقوب أنه قرأ { *فلتفرحوا } بتاء الخطاب ولام الأمر على أصل المخاطب المتروك بناءً على القول بأن أصل صيغة الأمر الأمر باللام فحذفت مع تاء المضارعة واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن لا على القول بأنها صيغة أصلية ، وقد وردت هذه القراءة في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخرجه جماعة منهم أبو داود . وأحمد . والبيهقي من طرق عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه مرفوعاً ، وقرأ بها أيضاً ابن عباس . وقتادة . وغيرهما . وفي تعليقات الزمخشري على كشافه كأنه صلى الله عليه وسلم إنما آثر القراءة بالأصل لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تصريحاً به إيذاناً بأن الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به ليطابق التقرير والتكرير وتضمين معنى الشرط لذلك ، ونظيره مما انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحاً قوله سبحانه : { يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الصمد : 4 ] من تقديم الظرف اللغو ليكون الغرض اختصاص التوحيد انتهى ، وهو مأخوذ من كلام ابن جني في توجيه ذلك ، ونقل عن «شرح اللب » في توجيهه أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الحاضر والغائب جمع بين اللام والتاء قيل : وكأنه عنى أن الأمر لما كان لجملة المؤمنين حاضرهم وغائبهم غلب الحاضرون في الخطاب على الغائبين وأتى باللام رعاية لأمر الغائبين ، وهي نكتة بديعة إلا أنه أمر محتمل ، وما نقل عن صاحب الكشاف أولى بالقبول .

وقرىء { *فافرحوا } وهي تؤيد القراءة السابقة لأنها أمر المخاطب على الأصل . وقرىء { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } بكسر اللام { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من الأموال والحرث والإنعام وسائر حطام الدنيا فإنها صائرة إلى الزوال مشرفة عليه وهو راجع إلى لفظ ذلك باعتبار مدلوله وهو مفرد فروعي لفظه وإن كان عبارة عن الفضل والرحمة .

ويجوز إرجاع الضمير إليهما ابتداء بتأويل المذكور كما فعل في ذلك أو جعلهما في حكم شيء واحد ، ولك أن تجعله راجعاً إلى المصدر أعني المجىء الذي أشير إليه و { مَا } تحتمل الموصولية والمصدرية . وقرأ ابن عامر { *تجمعون } بالخطاب لمن خوطب { يا أَيُّهَا الناس } [ يونس : 57 ] سواء كان عاماً أو خاصاً بكفار قريش ، وضمير { فَلْيَفْرَحُواْ } للمؤمنين أي فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون وعلى قراءة { *فلتفرحوا } { *وافرحوا } يكون الخطاب على ما قيل للمؤمنين ، وجوز أن يكون لهم على قراءة الغيبة أيضاً التفاتاً ، وتعقب بأن الجمع أنسب بغيرهم وإن صح وصفهم به في الجملة فلا ينبغي أن يلتزم القول بما يستلزمه ما دام مندوحة عنه .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ بِفَضْلِ الله } بتوفيقه للقبول في المقامات { وَبِرَحْمَتِهِ } بالمواهب الخلقية والعملية والكشفية فيها { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } لا بالأمور الفانية القليلة المقدار الدنية القدر { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] من الخسائس والمحقرات ، وفسر بعضهم الفضل بانكشاف صباح الأزل لعيون أرواح المريدين وزيادة وضوحه في لحظة حتى تطلع شموس الصفات . وأقمار الذات فيطيرون في أنوار ذلك بأجنحة الجذبات إلى حيث شاء الله تعالى والرحمة بتتابع مواجيد الغيوب للقلوب بنعت التفريد بلا انقطاع ، ومن هنا قال ضرغام أجمة التصوف أبو بكر الشبلي قدس سره : وقتي سرمد وبحري بلا شاطىء ؛ وقيل : فضله الوصال ورحمته الوقاية عن الانفصال ، وقيل : فضله إلقاء نيران المحبة في قلوب المريدين ورحمته جذبه أرواح المشتاقين ، وقيل : فضله سبحانه على العارفين كشف الذات وعلى المحبين كشف الصفات وعلى المريدين كشف أنوار الآيات ورحمته جل شأنه على العارفين العناية وعلى المحبين الكفاية وعلى المريدين الرعاية .

وقال الجنيد : فضل الله تعالى في الابتداء ورحمته في الانتهاء وهو مناسب لما قلنا ، وقال الكتاني : فضل الله تعالى النعم الظاهرة ورحمته النعم الباطنة وقيل غير ذلك ،